الابتدائية وكلية للتربية والتعليم، وفتح مراكز للثقافة وإعارة المدرسين الأكفاء والمعلمين، كل ذلك تطلبه الجزائر في محنتها الثقافية.
وثقوا أيها الإخوة في مشارق الأرض ومغاربها، أن عروبة الجزائر، وإسلام الجزائر وإيمان الجزائر بكم، هو الذي كان سلاحها الفعال في الوقوف أمام موجة التفرنس المنظم المحكم، ولولا ذلك الإشعاع الذي أضاء لأبنائها الطريق الواضح السليم نحو عروبتهم وقوميتهم، لولا ذلكن ولولا فضل الإسلام الخالد لبلغت فرنسا مما تريد وما تبتغي أكثر مما تشاهدون .. فنحن أيها الإخوة نعاني مما تعانون، نعاني الثالوث المقيت الجهل والفقر والمرض، ونعاني من نكبة الاستعمار وطول الكفاح وكثرة المشاكل ما يلحق بذي القوة إعياء لا يستطيع معه عملا مثمرا، ثم نعاني بالذات جهلا بالعربية الرسمية، عربية الشهادات، اذ دارستنا للعربية كانت طول مدة الاستعمار عملا خارجا على القانون يعاقب مرتكب، وكان المثقف بالعربية فدائيا بصمت وصبر يائسا من كل شيء إلا من يقظة الجزائر وعروبة الجزائر واستقلال الجزائر .. أما الحياة وأما ما يضمن الكيان ويكفل المعيشة فذلك ما لا يعرفه ولا يحلم به .. ورغم كل ذلك فقد خلق هؤلاء الأبطال بعثا سليما منظما العربية في الجزائر وأصبح لها كيان وجنود، ومدارس ومعاهد ومعاقل وحصون ... واليوم وبعد النصر العظيم لابد لأخوتنا من أن يمدوا يدا قوية ومخلصة لإنقاذنا والأخذ بنا إلى التعريب .. وأول أساس للتعريب أيها الإخوة هو التعليم، فبالتعليم يخلق كل شيء وبالمدرسة والمعلم يكون كل شيء، وان الجزائر التي ضحت وأغلت في التضحية لتتمنى من إخوانها أن يشاركوها في معركة البناء وان يضحوا معها في سبيل التشييد وإعادة الحياة، لا يرجون من وراء ذلك جزاء يغري ويسيل اللعاب ولكنهم سيجدون شكورا واحتراما وإخوة حية تشارككم ما تكسبن ولا تبخل عليكم بما تملك.
نعم، أيها الإخوة المربون قد أثبتت تجارب إخواننا أن التعريب ليس عواطف تنثر هنا وهناك أو أماني يهرب إلى ظلالها اليائسون أو يتأسى بها المصدومون من الواقع المؤلم، وليست المؤتمرات والندوات والتصريحات إلا من قبيل الاستهلاك المحلي وتغطية الشمس المحرقة لكل ما هو عربي بغربال متقطع، التعريب إذا ليس بذلك كمله ولكنه دراسة منظمة وتصميم صادق مخلص وبرنامج محدد وتطبيق محكم جاد، وعندئذ سنجد أن الأساس لتعريب الإدارة والبلاد والعقول والعباد إنما هو المدرسة والمعلم، وان غير ذلك كله باطل ولن يجدي نفعا ولو ملأنا الدنيا تصريحات وأقمنها وأقعدناها بالمؤتمرات والاجتماعات والاحتفالات والضيافات.
فالطريق السليم للتعريب هو تعريب المدرسة والمعلم ولا أقول بالطفرة، بل لا أومن بها في بلد كالجزائر، ولكن أومن إيمانا قاطعا انه من غير إخلاص للتعريب وإيمان بالعروبة وتصميم مدروس يراعي إمكانيات البلاد ولا ينسى الطاقات التي نستمدها من إخواننا، ويبدأ أول ما يبدأ في تعريب السنة الأولى من الدراسة الابتدائية على أن يستمر ولا يتراجع وعلى أن تدرس اللغة الفرنسية كلغة ثانوية في المتوسط الثاني، وتبقى كذلك في جميع مراحل التعليم، إذا وجدنا هذه الإدارة وهذا الإخلاص، ولا نعتقد إلا ذلك فلن يتأخر تعريب البلاد، ولن تهزم العربية على يد أبنائها بعد أن قهرت أعداءها، ذلك ما رجوعه وعسى أن يحقق.
وفي الجزائر:
مسؤولية ضخمة على الشباب المثقف:
في أوائل الشهر التاسع يعقد الطلبة الجزائريون أول اجتماع للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين في ارض الجزائر المستقلة بعد كفاح خاضته الطبقة المثقفة جنبا إلى جنب مع الشعب الجزائري الباسل بجميع طبقاته، فالمعلم، والأستاذ، والتلميذ، والطالب، والفلاح، والمعامل، والموظف، والمستخدم، والرئيس، والمرؤوس، والرجل، والمرأة، كل ذلك أن يدا واحدة وقوة متحدة لتحطيم الاستعمار، وقد تحمل الطلبة من اجل استقلال الجزائر ما لم يتحمله غيرهم في كثير من بلاد الله، حقا كلما وجدنا انتفاضة إلا ووجدنا وراءها العقل المفكر، والشباب المتحمس، والطالب المندفع المضحي. فالشباب في كل امة هو الفتيلة الوقود، ومن منا ينكر تضحيات الطلبة الزيتونيين في تونس وإضراباتهم ومظاهراتهم وتحديهم لقوى المستعمر وقوى الظلم، ومن منا يتجاهل شجاعة الطلبة في ارض الرافدين وسهول العراق أيام عهد الطغيان البائد وهم يتلقون بصبر وقوة وصدور أبية رصاص الحاكمين، نعم في ارض لبنان وغوطات دمشق ومرابع النيل، وفي كل شبر من ارض العروبة سالت