تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المعتبر طبيعة وشرعا، وترجع أحوال الناس إلى ما كانت عليه، ويبقى ما بأيديهم من ذهب يتحلون به أو نقود يتعاملون بها يعود الرخص والرفه إلى ما مكانا عليه، ومرة أخرى يؤكد في آخر الكتاب أن السبب في فساد الأمور إنما هو سوء التدبير لاغلاء الأسعار.

والذي يتضح لنا من بين فصول الكتاب أن المقريزي تأثر بيئته اشد التأثير وبما كان يدور حولها من حوادث وأحداث، وهو غفي هذا تلميذ لابن خلدون، وكان يحضر دروسه في الأزهر أيام إقامته بالقاهرة، (*) فابن خلدون عاش في المغرب والأندلس ولاحظ عن قرب ما تتخبط فيه العدوتان من فوضى وفساد مرجعهما إلى القائمين بشؤون الحكم فدفعه ذلك لكتابة مقدمته التي عالج فيها ظواهر الاجتماع ودرسها ليكشف عن القوانين التي تخضع لها هذه الظواهر سواء في نشأتها وتطورها وانحلالها، غير مخل بمشاكل الاقتصاد وما يتعلق بالإنتاج والتجارة، شارحا أسباب سقوط الدلو واثر الظلم في خراب العمران، وذلك فعل المقرزي، فقد لاحظ سياسة المماليك المنحزبة والتطاحن الذي كان بين الأتراك الجراكسة وبين المماليك المقيمين وما قاساه المصريون من ألوان الظلم والطغيان، وما سببه احتقارهم للعشب واستهتارهم بمصالحه من فتن وثورات طواعين ومجاعات، فكتب رسالته موجها عنايته للناحية الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية، ثم أسرة المقريزي حديثة العهد بالحياة المصرية، فهي تلاحظ خصائصها وتقارنها بالحياة القديمة التي عاشتها بلبنان، وطفل يعيش وسط أسرة هذه حالها لابد أن تتولد فيه روح البحث والاستطلاع، هذا إلى أن هناك أسبابا كانت دافعا لتأليف الكتاب، لعل أهمها وفاة ابنته في الطاعون ولمتكن قد تجاوزت سن السادسة، وتجاربه الخاصة أثناء مزاولته للحسبة حيث كان يختلط برواد الأسواق من تجار وصناع وأرباب الحرف والمهن ويبحث حالة الأسعار والنقود ويضبط الموازين والمكاييل ويراقب صغار التجار والباعة المتجولين ويفصل في شكاوي الأسواق ويوقع العقوبات ويصدر الأوامر والقوانين وغير هذه من المهمات التي تدخل حاليا في نطاق وزارات التموين والاقتصاد والداخلية والشؤون الاجتماعية، هذا إلى أن الجماعة التي حدثت في زمنه (*) أحفزته أن يبين: «إن ما بالناس سوى سوء تدبير الزعماء والحكام وغفلتهم عن النظر في مصالح العباد، لا انه كما مر من الغلوات وانقض من السنوات المهلكات» ولم يقتصر تأثر المقريزي بابن خلدون على موضوع البحث فحسب بل تعداه إلى الشكل الذي يخرج عليه، فهو كإسناده يوجز الأسلوب ويكثر من الاستشهادات التاريخية، وهو مثله يفتح الفصول مخاطبا القارئ وداعيا له، ثم هو أخيرا يختمها بآية أو آيتين من القرآن.

ولم يمنع كل هذا التشابه من وجود فرق بين العالمين الكبيرين، فالمؤرخ المغربي شملت ملاحظاته ظواهر الاجتماع في كل الشعوب التي عاش فيها واحتك بأهلها مركزا في معالجته للمشاكل على الناحية التاريخية والاجتماعية، في حين أن زميله خص موضوعاته بمصر يعالجها علاجا تحليليا.

ولا نريد أن ننهي هذا التحليل العجالي دون أن نلاحظ أن المقريزي في رسالته هذه وفي غيرها من الكتب الصغيرة يدلي بآرائه معللا ومحللا وشاحرا في غير كثير من التقيد والتحفظ مما يلقي ضوءا على شخصيته يندر أن نعثر عليه في كتبه الطويلة التي يجرفه فيها سبيل أخبار الخلفاء والأمراء والحروب وما إليها من الحوادث الطويلة الذيول.

الرباط- عباس عبد اله الجراري

(*) امتدت إقامة ابن خلدون بمصر من سنة 784 إلى سنة 808 (1382/ 1406)

(*) من سنة 796 إلى سنة 808.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٢٧