دعوة الحق س5، ع10 - يوليوز 1962 .................... ص31
أبحاث ومقالات: الصراع المقبل
للأستاذ: محمد زنبر
عصرنا ولا شك هو عصر إرادة القوة، وقد أخذت هاته الكلمة التي أشهرها الفيلسوف «نيتشه» معناها الكامل في هذا الزمان الذي تكاثر فيه عدد البشر، واشتد تزاحمهم وتسابقهم، وتشبعت العلاقات فيما بينهم، وعظمت أطماعهم واتسعت آفاقهم.
نعم، في عصر نيتشه، أي منذ اقل من ثمانين سنة، كانت الإنسانية الواعية تنحصر في العالم الأوربيين بينما القارات الأخرى تكاد تعيش على هامش التاريخ وكأنها قطع من كواكب أخرى تنظر إلى ما يجري في الأرض بدون اكتراث ولا اهتمام. وكان أبناء أوربا يقارنون بين طبعهم المتصف بالحيوية والنشاط والحركة والطموح، وطبع شعوب العام الأخرى المتسم بالجمود والتواكل والكسل، فيداخلهم العجب ويقر في أذهانهم أنهم النخبة الارستقراطية وسط الإنسانية، والذي عزز هذا الشعور في نفوسهم وقى يقينهم به أنهم كانوا يسيطرون على العالم بأسره ويتصرفون تصرف المالك في معظم أجزائه.
ولذلك، فان الأوربيين ما كانوا ليحسبوا أي حساب لشعوب القارات الأخرى وما كانوا ليلقوا إليها بالا لأنهم واثقون من تأخرها ومن تفوقهم، فالتنافس أو ما يسميه «داروين» (تنازع البقاء) لم يكن له في نظرهم أي معنى معها، لان التنافس يكون بين الأكفاء، وبالفعل، فقد كان التنافس محصورا بين شعوب أوربا وفي بقعتهم الضيقة الصغيرة، كانت هنالك عدة دول تحمل طموحا لا نهاية له وتريد أن تبوأ المقام الأول وان تكون كلمتها هي العليا وان تتدرج في سلم الرقي والقوة الحربية والاقتصادية حتى تصبح في المحركة لدفة هذه الكرة الأرضية بما فيها من قبائل وشعوب وقارات وبحار.
ولكن تلك الدول التي كانت تداعبها هذه الأحلام، كانت متجاورة مع بعضها، وكان من نتائج هذا التجاور أن أصبحت في صراع دائم وحروب كثيرة فيما بينها وسعيا وراء توسيع رقعتها وتمكين سيطرتها وإنماء أملاكها وثرواتها. ولك واحدة تجد الأخرى عرقلة أمامها في سبيل تحقيق مطامحها والصعود إلى أوج عظمتها، وبعد معارك حربية وأزمات سياسية ودبلوماسية وثورات مختلفة، اتجهت كل دولة في وجهتها، فمنها من انغمرت في ميدان الاستعمار وتوغلت فيه أشواطا مثل انجلترا وفرنسا وهولندا، ومنها من اتجهت إلى شؤونها الداخلية، فحصرت نشاطها في إنماء ثروتها الاقتصادية والتقدم العلمي والعناية بالفنون الحربية مثل ألمانيا، ومنها من ظلت وسطا بين الاثنين مثل ايطاليا وبلجيكا.
وإذن، يمكننا أن نصف هذا العهد الذي امتد إلى نهاية حرب 1914 - 1918 بأنه عهد سيطرة أوربا، لأنها لم يكن لها منافس يذكر خارج حدودها ولان الصراع على السؤدد كان يجري داخلها وبين دولها، أما بالنسبة لبقية العالم فقد كانت تعيش في هناء واطمئنان.