سبحانه وتعالى، وأمر الرب هو الذي ينشئ آثار الحياة في مادة ميتة. وأما الذين قد ظلت العلوم التجريبية الحاضرة تنمو وتتقدم على أيديهم في الغرب منذ عصر النهضة « ..... »، فما زالوا يحاولون التملص من إقرار وإحساس ذات فوق الفطرة وعلمها كيفما أمكن، وظلوا يتمنون منذ بدء ارمهم لو عثروا في داخل معمل الفطرة- الكون- هذا على القوة التي تعمل فيه وتسيره. فهذا الخطأ الأساسي قد خلق لهم مسائل متعبة ما وجدوا لأنفسهم بدا لحلها من الالتجاء إلى المقياس والفرض والرجم وبالغيب. فبالقياس ورجما بالغيب أرادوا أن يحلو عقدة بدء الحياة، وبالقياس ورجما بالغيب أرادوا يحلوا مسالة ما هو السبب للتنوع في الحياة للتفاعل بين مختلف الأنواع؟ فداروين من أولئك الذين حاولوا تحقيق هذه المسائل على هذا الأسلوب، وهو بنفسه ما قال أبدا انه قد أدرك الحقيقة، وكذلك علماء الطبيعة من القائلين بنظريته لا يقررون قياسهم حقيقة وواقعا، غير أن الدين قد مستهم نفحة من نظرية داروين أو سمعوا بها من بعيد، هم الذين يلهجون بذكرها ويبدؤون فيها القول ويعيدونه كأن الحقيقة قد انكشفت لهم انكشافا ومثلت بين أيديهم مثولا.
ولو أن داروين انطلق في تحقيقه من النقطة التي يبينها القرآن للتحقيق في هذه المسالة، لما انتهى إلا إلى أن هذا التنوع والتفاضل في مختلف أنواع الحياة وأجناسها وصورها، الذي يلمح في كل شيء في هذا الكون من الجزئية وحيدة الخلية إلى الإنسان الكامل بترتيب لا نظير له، إنما هو نتيجة لتخطيط حكيم مدبر، وان تخطيط هذا الحكيم المدبر هو الذي بعد أن هيأ لمختلف أنواع الحياة بيئة تناسبها وظروف توافقها، ما زال يخرجها إلى حيز الوجود بمزاياها المخصوصة المتنوعة تدرجا، ويمحو- مع ذلك- الأنواع التي ما بقيت لها حاجة في تخطيطه، ألا إن هؤلاء- كما قلنا آنفا- يريدون أن يتملصوا بأي وجه ممكن من الاعتراف بوجود واضع هذا التخطيط ولا يحبون أن يروا في معمله آثار عمله، ولذا فان المشاهد التي يجدونها ويحاولوا أن يفسروها في هذا المعمل تظهر لهم انه من الممكن أن يفهموا أن هذا المعمل يقوم بعمله ويتقدم ويترقى بنفسهن ولذا فان داروين فسر التنوع والتفاضل في أنواع الحياة بتلك النظرية للتطور والارتقاء، التي تعرف اليوم باسمه، ولا جلل هذان فانم أوربا التي كانت إلى ذلك الحين إنما تسير إلحادها بدون إقدام، بادرت إلى تلقي هذه الأقدام الخشبية بكل قبول ونصبتها من تحت في كل شعبة من شعب علومها الطبيعية، بل وفي فلسفتها وأخلاقها وعلومها للعمران، لقد كانت ولا تزال في هذا التفسير من الوجهة العلمية والعقلية اضطرابات كثيرة لا يمكن لعاقل أن يقول معها أن هذا التفسير تفسير له وجاهته، وهو من التفاسير القابلة للاعتبار.
وها أنا ذا أحاول الآن أن أبين لكم الضعف الأساسي الحقيقي لنظرية داروين بمثل اضربه لكم متجنبا فيه ما استطعت أسلوب النقد الفني الملتوي والبحث العلمي الدقيق:
هب أن أستاذا للعلوم التجريبية يأتي من المريخ إلى الأرض معية جماعة من تلاميذه والغرض أمامه أن يقوم في هذه الأرض بتحقيقات علمية، وهب كذلك أن في نظر هذا الأستاذ ومن معه من التلاميذ شيئا يحول بينهم وبين أن يروا الإنسان على وجه هذه الأرض، فهم إنما يشاهدون مصنوعاته وأسباب تمدنه ووسائله دون أن يشعروا بوجوده هو، فالمصنوعات الإنسانية التي يشاهدها هذا المحقق على وجه الأرض، يجد فيها فرق الأشكال والأنواع، كما انه يرى أن بعض هذه المصنوعات خير من بعضها، كما انه يعلم أثناء التحقيق ان هناك أشياء لمتكن رائجة من قبل وإنما لاقت الرواج في ما بعد وان هناك أشياء كانت رائجة في الماضي ولا تزال رائجة حتى اليوم، وان هناك أشياء كانت رائجة من قبل ولكن ما بقي لها رواج اليوم. فبقى إلى مدة يرتب في خياله أشياء في هذا المنظر المبعثر وأخيرا يقسم هذه الأشياء المختلفة ويقيم لها الدرجات باعتبار أنواعها، ثم يخطو خطوة أخرى في ميدان التحقيق ويحاول أن يعرف كيف جاءت إلى الوجود هذه الأشياء المتنوعة المتفاضلة وما هي الأسباب والقوانين التي عملت في جعلها متنوعة متفاضلة وفي الإبقاء على بعضها وإفناء بعضها الآخر.
لقد كان من الممكن أن يجيب هذا المحقق على هذه الأسئلة لان الأغلب أن هناك كائنا يعيش على وجه الأرض يصنع هذه الأشياء على حسب مختلف مصالحه وحاجاته فالأشياء التي لا تزال الحاجة باقية إليها، لا يزال يصنعها، وأما الأشياء التي ما بقيت حاجة إليها اليوم فقد امسك عن صنعها، لقد كان من الممكن أن يجيب هذا المحقق المريخي بهذا على هذه الأسئلة، إلا انه يريد- لسبب من الأسباب- أن يتملص من فرض مثل هذا الكائن ويوجه قياسه إلى جهة أخرى ويفسر المنظر الذي وجده على وجه الأرض بنحو أن