تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س5، ع10 - يوليوز 1962 .................... ص2

دراسات إسلامية: موقف الإسلام من نظرية النشوء والارتقاء

لفضيلة الأستاذ: أبو الأعلى المودودي

كتب إلي احد قراء «ترجمان القرآن» بما يلي: أن نظرية داروين للارتقاء من الأمور المسلم بها اليوم في الأوساط العلمية، ولكننا إذا قرأنا القرآن، وجدنا أن بينه وبين نظرية داروين تصادم واضح وتناقض سافر. فالإنسان - على حسب بيان القرآن- كان إنسانا منذ أول يومه، خلق بعمل تخليقي في يوم معلوم ثم انتشرت منه السلالة البشرية على وجه الأرض، ولكن الذي تشهد به العلوم الطبيعية التي ندرسها في كلياتنا، أن الإنسان إنما جاء متطورا من مرحلة الحيوانية شيئا فشيئان ومن المحال أن يعين في هذا التسلسل الارتقائي موضوع انتهت عليه مرحلة الحيوانية وابتدأتن مرحلة الإنسانية، موضع يقول عنه القرآن الحكيم «فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين» وهذا هو مثال واحد على ما يوجد من التناقض بين بيان القرآن نظرية داروين للارتقاء، وإلا فهناك في كمسألة خلق الإنسان تفاصيل كثيرة يتصادم فيها بيان القرآن مع نظرية داروين. ونظرا لهذه الأمور فان طالبا من طلاب العلوم الطبيعية لا يستطيع أن يحتفظ بإيمانه، فهل لكم أن تحلوا لنا هذه المشكلة الشائكة؟

إن هذا السؤال الذي تقدم به احد قرائنا الكرام وأجاد في وضعه وعرضه، لا نحتاج للجواب عليه إلى استعراض نظيرة داروين وشواهدها. وإنما الذي يجب التحقيق ففيه، هو كهل أن تصور التطور والارتقاء الذي تقدم به داروين، حقيقة ثابتة أم إنما هو نظرية من النظريات الفكرية؟ وانه إن كان نظرية وحسب، فهل يستحق- من حيث علو مكانته- إذا عرض لمسلم أن يضطره إلى التفكير: هل يؤمن به أم يبقى مومنا بالقرآن الحكيم؟

وليكن القارئ على علم عند أول خطوة بصدد الجواب على هذا التنفيح أن نظرية داروين لا تزال في أوساط القرن العشرين نظرية بحثة كما كانت نظيرة صرفة في أواسط القرن التاسع عشر، ولم تثبت بعد حقيقة وأمرا واقعيا، ولا يخفى على احد الفرق بين النظرية والحقيقة، وان الإنسان لا يحتاج إلى إعادة النظر في إيمانه إلا حينما يتصادم إيمانه مع شيء هو حقيقة وأمر واقع لا مجال للريب فيه، وإلا فان الإيمان الذي لا يصمد للقياسات والنظريات البحثة فما يتيمان وإنما هو حسن ظن يمكن أن يتبدل بسوء ظن على أساس مجرد الأوهام والخرافات والإشاعات الفارغة.

هذا، وتعل لنستعرض الآن مرتبة نظرية داروين ودرجتها في ميدان العقل والاستدلال. إن أصعب مسالة من مسائل علم الحياة قد أبهمت على علماء العلوم الطبيعة، هي كما هو مبدأ الحياة؟ أما القرآن فيقول مجيبا على هذا السؤال أن مبدأ الحياة هو أمر الرب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٣٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٣٤٠