الاخرى ولكن على أساس مصلحة القارة الفتية المتخلفة لا على أساس امتصاص خيراتها الأولية وغزوها بالمنتوجات المصنوعة أو المحولة، وقتل كل جهد لانشاء صناعات محلية أي على أساس احترام الكيان الاقتصادي والطموح الافريقي للنمو في اطار التحرر وعدم التبعية الاقتصادية.
وان موافقة رؤساء دول ميثاق الدار البيضاء الست على إنشاء سوق متحررة في افريقيا، تعتبر فوق ذلك عملا لا مندوحة عنه بالنسبة لدول أرادت أن تشق طريقها بحرية، وان تفهم كل من يعسر عليه فهم المرحلة التاريخية التحررية التي تجتازها القارة الفتية، بأن تلك الدول قد وضعت وسائلها وامكانياتها وضحت بكل منفعة فردية في خدمة المبدأ الذي امنت به وصدرت عنه عندما اجتمعت لأول مرة في مدينة الدار لابيضاء، لقد عرفت تلك الدول أنها - في الوقت الذي تبرم فيه أوفاق هذه السوق الافريقية- لا تفعل اكثر من دفع تهديدات لم يكن هناك مفر منها، فالضغط الاقتصادي والتمييز التجاري ضد كل دولة لم تقبل الاندماج في التكتلات الاقتصادية الاجنبية، والحصار الخانق المضروب على المنتوجات التي ترغب في البحث عن سوق غير مشروطة بتدابير الدخول اليها والتعامل معها، كل هذه الأشياء كانت تقف في وجه كل دولة من دول الدار البيضاء على حدة، وكل واحد من تلك العوائق كان يمنع التنفس عن اقتصاد أي من تلك العوائق كان يمنع التنفس عن اقتصاد أي من تلك الدول ويجعله امام اختيارين، اما الرضوخ واما الموت.
وكانت كل دولة من دول الميثاق ترى ان التهديد الذي يوجه الى الروح الثورية الافريقية والى الوحدة الافريقية والذي يتمثل في السوق الأوربية المشتركة، على الرغم مما تظهر به هذه السوق من الكرم والايثار والتساهل - لم يكن اقل شؤما ولا نحسا من التدخل المباشر في شؤون القارة كما قال نكرومة، وكانت كل دولة من تلك الدول ترى أن الجانب الاستعماري بعد أن عجز عن المضي في إخضاع الافارقة عسكريا وسياسيا اخترع ما سماه (بالوحدة الافريقيةالاوربية) لتكون ستارا لتخليد الامتيازات الرأسمالية في هذه القارة.
على أن كتلة الدار البيضاء تعلم أن دول السوق الأوربية المشتركة ومن خلفها اكثر من الفي شركة، لا يمكن أن ترضخ بسهولة لتدبير اقتصادي تتخذه دول افريقية يوجد بها 60 مليونا من المستهلكين وتشتمل على منتوجات متكاملة يمكن -مع بعض الوقت- أن تأخذ بها نحو الاكتفاء الذاتي والاعراض عن 90 في المائة مما تصنعه اروبا من الاجهزة والالات الخفيفة والمتوسطة، ولذلك فإنها لم تتخذ قرارها في جو من الحماس أو الخطب، ولم تخلق سوقها بدافع من التحدي أو التعصب الاعمى، بل انها فعلت العكس، وسارت في خطى مدروسة يحوطها التدبر والواقعية.
وكان أول الضروريات هو القيام بخطوات أولية تجريبية تكون مقدمة للخطوة الجبارة القادمة، وهكذا كان على مؤتمر اللجنة الاقتصادية الفرعية التي عقدت في اكرا والدار البيضاء والقاهرة أن تحضر المشاريع الآتية، لتكون كدرجات يمكن ارتقاء عليها للوصول الى الوحدة:
اولا- اقامة وحدة للمواصلات البريدية والبحرية والجوية والهاتفية والبريدية.
ثانيا- مد خط مدني لخدمات الجوية يقع تدشينه فورا.
ثالثا- احداث مصرف للتوسع الاقتصادي تموه الرساميل الوطنية.
رابعا - الغاء الحواجز الجمركية تدريجيا ابتداء من فاتح يناير القادم.
خامسا -الاستشارة الفورية والمباشرة عندما تعرض مساعدات على أي من الدول الست أوعندما يقع التفكير في إنشاء مؤسسة اقتصادية.
سادسا- فتح مكتب افريقي للدراسات الاقتصادية والشؤون التي ترجع للنمو.
وهكذا فان أول عمل قام به رؤساء دول الدار البيضاء في جلستهم الثانية هو التوقيع على مسودات تلك المشاريع التي لا غنى عنها لضمان نجاح السوق، وبعد ذلك خطوا الخطوة الحاسمة والجبارة في نفس الوقت.
ولعلنا اذا قمنا بتشريح لهذه السوق والدعائم التي تقوم عليها والمنافع التي ستعود بعد بدء العمل بها، فسنخرج بنتيجة وهي انها لم تكن تلبية لحاجة ملحة ولضروريات اكيدة، ولكنها كانت، قبل كل ذلك عملا وقائيا، وذا فوائد لا يمكن حصرها.
إن أول شيء يتبادر الى الذهن عندما يذكر الإنسان كلمة (سوق) هو جمهرة المستهلكين الذين