تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التي أعقبت زوالها. حتى ان ابن خلدون سمع بأمجادها وهو في مصر أواخر القرن الرابع عشر ..

ذلك ما سنذكره بشيء من الاختصار.

أن نهاية مملكة غانا كان في الربع الأخير من القرن الحادي عشر الميلادي على يد المرابطين ولا مناص من التذكير بظروف قيام هذه الدولة على سبيل الإيجار تخلصا للحوادث التي ذهبت غانا ضحيتها.

تعرفون أن يحي بن إبراهيم الكدالي كان رئيسا على قبائل صنهاجة في الصحراء الغربية أي موريطانيا في الإصلاح الحديث. فلما رحل إلى المشرق في أوائل القرن الخامس الهجري اصطحب معه إلى الصحراء ـــ بناء على نصيحة الشيخ ابن عمر ابن الفاسي ــ الفقيه عبد الله بن ياسين ليفقه الناس في أمور دينهم فلما اشتد يأس الفقيه عبد الله بن ياسين دعا مريديه إلى نشر الدعوة ومقاتلة أهل الردة حتى "ملك جميع بلاد الصحراء وكذلك قبائلها".

ثم توفي يحي عمر الكدالي، فجمع عبد الله بن ياسين رؤساء قبائل صنهاجه وولى عليهم برضاهم يحي بن عمر. وامتد الجهاد من الصحراء إلى المغرب لكن يحي بن عمر ما فتيء ان عاجلته المنية في بعض الغزوات بالسودان. فولى عبد الله بن ياسين أخاه أبا بكر بن عمر. وهذا هو الذي قهر غانا وأدل دولتها.

فبعد ما جاهد أهل الردة والبدعة صحبة عبد الله بن ياسين الذي استشهد في موقعة دارت بينه وبين قبائل بورغواطة ودفن بكريفلة على مسافة يسيرة من مكاننا هذا، جددت البيعة لأبي بكر بن عمر فاسلخلف على المغرب ابن عمه يوسف ين تاشفين لإتمام الغزو وعاد هو إلى الصحراء لما انتهى إليه من "اختلال أمرها ووقوع الخلاف أهلها"

فاقترنت عودته بمواصلة الزحف على السوداين لنشر الدعوة الإسلامية، فانقض بجيوشه على مملكة غانا. ودار الكفاح مدة أربع عشرة سنة إلى ان سقطت العاصمة سنة 1079، وانهارت الدولة وانقضت من حولها الممالك التي كانت تابعة لها، و نشأت على انهيارها مملكة مالي الإسلامية التي سنتحدث عنها ثم تحت ضربات هذه الممالك خرجت غانا وأصبحت أثرها بعد عين.

ويقال ان كثيرا من أهلها فروا بأنفسهم من الهلاك أمام زحف المرابطين العارم وقصدوا "ساحل الذهب" فعمروها. ولهذا اختار الرئيس نكرومة إطلاق اسم غانا على دولته إحياء لذكرى هذه الإمبراطورية التي ضربت بحظ وافر في مضمار المدينة.

وهكذا سقطت أول إمبراطورية بإفريقيا السوداء تحت طعنات المرابطين. ولم يدع حكمهم لها سوى احد عشر عاما، ثم تفرقت كلمتهم، فانتهز أهل غانا هذه الفرصة وازحوا نير العبودية عن عاتقهم. فرجع المرابطون إلى الصحراء من حيث أتوا. ولكن عز غانا وصولتها لم يعد كما كانا حيث انتقضت عليها الأقطار التي كانت خاضعة لنفوذها، ونشأت ممالك جديدة أهمها مملكة سوس. وبقيت غانا من عثرة إلى عثرة إلى قرن الثالث عشر حين حطم مؤسس دولة مالي الملك سوندياتا آخر صروحها ومحا معالمها من الوجود.

على أن الزحف المرابطي لم يكن له سوى هذه النتيجة، بل كانت له نتائج أخرى من حيث انتشار الدعوة الإسلامية. فدخل الإسلام كثير من الأمراء، وخاصة أمراء الأقطار التي كانت غانا نخضعها لسيطرتها وأصبحوا دعاة متحمسين للعقيدة في وسط شعوبهم. ومن ذلك الحين والإسلام يختط طريقة في قلب إفريقيا السوداء يعتنقه قوم ويرفضه آخرون. فاكتسح رقعة ممتدة الإطراف، وقامت منذ ذلك مماليك إسلامية هنا وهناك، وسنعرض في الحديث المقبل بحول الله أهم مملكة نشأت بعد سقوط غانا، وهي مملكة مالي، وكانت هذه المملكة إسلامية عريقة بأمرائها و شعوبها بخلاف مملكة غانا التي كانت وثنية.

الرباط: قاسم الزهيري

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٢٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٢٠٨