كان ملوك هذه الإمبراطورية وثنيين كعامة الشعب بيد أنهم كانوا في وئام وتسامح مع الأقلية الإسلامية التي كانت تعيش وسطهم كما سنرى.
فكيف كانت الحياة الاجتماعية وتمشي شؤون الدولة في إمبراطورية غانا؟ أن الوصف الذي تركه المؤرخون العرب لقاعدة الملك ليعطينا صورة عن هذه الأحوال.
لقد كان الملك يقيم في غانا نفسها. وكانت المدينة تنقسم إلى مركزين رئيسيين: مركز وثني ومركز إسلامي يجمع بينهما شارع طويل بنيت على جوانبه دور بالحجر تحيط بها حدائق. أما الملك فكان يسكن الحي الوثني وسط قصر بنوافذ من زجاج وجدران مزخرفة بالتماثيل. وتحيط بالقصر منازل للكهنة المكلفين بالسهر على الأصنام وأضرحة الملوك. ومن الدلائل على التسامح الذي كان يبديه أباطرة غانا أنهم بنوا مسجدا قرب القصر ليتسنى لضيوفهم المسلمين أن يؤذوا الفرائض به.
أما المركز الإسلامي فكان يحتوي على متاجر ومنازل للمسلمين. وكان به اثنا عشر مسجدا أمامه ومؤذنه ومقرئه. وكان العلماء والفقهاء يأتون من البلاد الإسلامية ليفقهوا الناس في دين. ووفرة المساجد في حاضرة غانا تدلنا على كثرة عدد المسلمين إبان عظمة هده الدولة.
كانت الحاضرة مركزا تجاريا عظيما ترد عليه قوافل الإبل من إفريقيا الشمالية وخاصة من المغرب محملة بالقماش والنحاس والتمر والعنبر والملح، وتروج مثقلة بالذهب. إذا كانت ارض هذه الدولة تحتوي على المعدن الثمين حتى ملكها كان يعقل جواده بكرة ذهبية تزن نحو 15 كيلو. وكان هذا المعدن متداولا بين أهلها
والى جانب هذا النشاط التجاري كان هناك نشاط مهني منقطع النظير، فكان الصناع على اختلاف أنواعهم يشتغلون في صنع الأقمشة الحريرية والصوفية والقطنية، وصناعة الحلي والمجوهرات لا يفتئون يشتغلون إلى غير ذلك. وكانت آثار النعمة بادية على سكان غانا. وفي مقدمتهم الملوك الذين كانوا يرتدون القز والصوف و ينتعلون الأحذية الرفيعة.
كان الإمبراطور يخرج كل صباح وسط الضباب وبجانبه أبناء الملوك التابعين له في أزياء الزاهية فيجلس إلى الناس لفض نزاعاتهم و الاستماع إلى تشكياتهم أو أرائهم. وفي المساء يقوم بجولة في المرافق المدينة، ولكن لا يسمح لأحد بالاقتراب منه، و كان الشعب متعلقا بملوكه. فكان الناس يتجردون من ثيابهم عند رؤيتهم هؤلاء الملوك ويتخرون في التراب ويلقونه على رؤوسهم. وهي عادة ظلت مستعملة في أغلب السودانيين هذه صورة مختصرة عن الحياة في قاعدة الإمبراطورية ولم تكن الحواضر الأخرى بأقل منها ازدهارا ونهضة. فقد تحدث ابن حوقل عن حاضرة مملكة أو داغشت البربرية التي كانت تابعة لغانا والتي زارها في أواخر القرن الحادي عشر فأعجب بها وبما كان عليه سكانها من سعة العيش وتعجب من أناقة البيوت التي كانت تحيط بها الحدائق وتغمرها المياه الدافئة، كما ذكر ازدهار التجارة بها حيث كانت تأتيها صنوف البضائع من جميع الجهات. وشاهد ابن حوقل وصلا بأربعين ألف دينار دينا على أحد سكان تافيلالت مما يدل على وفرة المبادلات التجارية اذ ذاك بين المغرب وغانا.
ان هذه المعلومات الني تعمدنا اختصارها لضيق المقام والتي ندين بها للمؤرخين والجغرافيين والرحالة العرب لتعطي صورة عن مدى ما بلغته الحضارة في عهد امبراطورية غانا. وإذا كانت هذه المدينة قد عفت أثارها، فان المنقبين والباحثين جادون في الكشف عن رسومها. وقد دلت الحفريات التي قام بها بعضهم قي سنة 1939 ثم في سنتي 1949 و 50 وما عثروا عليه من آثار وأدوات على "رقي هذه المدينة سواء من الناحية العمرانية أو الفلاحية" على حد قول هؤلاء العلماء (1) فقد عثر على مجوهرات محلية إلى جانب المجوهرات التي كانت تجلب من البحر المتوسط، كما عثروا على أدوات منزلية وأوزان في غاية الدقة مما يشهد بما بلغته هذه الدولة من رقي مادي.
فكيف درست آثار هذه الدولة وزالت من الوجود؟ مع أن ذكرها ظل عالقا في الأذهان عدة قرون بعد ذلك وبقي أنشودة في أفواه المغنين من الأجيال