ولعلك أدركت من هذا الحديث الذي أحدثك به أن الكتاب الذي أقدمه إليك يتناول هذا الموضوع بالذات وهو من عنوانه: -إسلام بلا مذاهب- ألفه الأستاذ الدكتور مصطفى الشكعة المستشار الثقافي لسفارة الجمهورية العربية المتحدة في واشنطون، ومدرس الحضارة الإسلامية بكلية الآداب بجامعة عين شمس، وهو الآن من ألمع الشخصيات بين شباب الجمهورية العربية المتحدة في ميدان البحث الأدبي، والتاريخي، قرأت له عدة أبحاث قيمة أهمها -دولة الأدب عند الحمدانيين- كان موفقا فيها إلى أبعد حد، وكتابه الجديد -إسلام بلا مذاهب- قدمه الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر إلى القراء بمقدمة طريفة قدر فيها الكتاب ومؤلفه، كما قدر الموضوع وأهميته، وهو الخبير المختص في هذا الميدان ..
والكتاب وإن كان صغير الحجم (304 صفحة) فهو إلى جانب ذلك جامع لأطراف الموضوع، من ناحية تاريخ الفرق الإسلامية منذ نشأتها إلى الآن، مع عرض أرائها ومذاهبها في لطف ولين، وأمانة تدعو إلى الإعجاب، فهو أمين في النقل .. نزيه في العرض .. هادئ في المناقشة .. داع إلى الوحدة بحكمة .. لا يثير حقدا ولا غضبا .. ولا سرف في تأييد أو انتقاد ..
وقد قسمه أبوابا .. تكلم في الأول على ماهية الإسلام كشريعة ونظام خالد لتنظيم المجتمع الإنساني، ووقف الأستاذ مصطفى وقفة مجيدة مشرفة من قضية الاسترقاق، وأبان بحججه القوية ومنطقه الواضح الرزين براءة الإسلام من تهمة الدعوة إلى الرق واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان .. تلك التهمة التي لازال يرددها ببغاوات أوربا وسدنة التعصب من أبنائها .. مع أنهم يعمون ويتصاممون عن أمتهان الرجل الملون في ظل بريطانيا .. وأمريكا .. وجنوب إفريقيا .. وأبادته في أستراليا ..
وتناول في الباب الثاني انقسام الإسلام إلى مذاهب وفرق وقد كان عميق البحث، ريان من المادة التاريخية .. خارجا عن سلطان التعصب .. عارفا بالجذور والأصول قبل النتائج والفروع ..
فالخوارج كحزب سياسي كانت الظروف السياسية دائما في خدمته .. يحلل موقفهم التاريخي بوضوح .. ولاسيما من ابن الزبير حيث كانوا يحاولون ضمه إلى صفوفهم .. ثم قلبوا له ظهر المجن بعد محاورة طريفة .. وأضاعوا الخلافة من يده .. وهم كفرقة دينية ذات طابع خاص في إقامة بعض الشعائر نجد المؤلف لا يهمل طابعهم، وإن كانوا في الواقع حزبا سياسيا ذا رأي خاص في الخلافة ..
والشيعة كفرقة دينية مبنية على عقيدة في رأي بعض الباحثين .. أو كحزب سياسي في رأي آخرين .. يقف المؤلف منها موقفا نزيها يصور الحقائق كما هي لا كما ينبغي أن تكون ..
ويعدد فرقها الشهيرة غالية ومعتدلة وبعض أوجه الخلاف بينها وبين أهل السنة .. ويربط ذلك بالوضع الحاضر في البلاد الإسلامية في دقة وحذر وإنصاف، ولا ينسى الدكتور مصطفى بعض الطرائف التاريخية حول كثير من القضايا .. كنكاح المتعة الذي أبطله عمر بن الخطاب وأقره أهل السنة على ذلك في مذاهبهم الشهيرة .. وتمسك الشيعة بإباحته إلى الآن ... ورووا في كتبهم أن عبد الله ابن الزبير عير بتحليله لنكاح المتعة .. فأجابه ابن العباس قائلا:
"سل أمك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك ... "
ومشكلة الإسماعلية وغموض مذهبها عالجها المؤلف بدقة عجيبة حيث حكم النصوص والأدلة التاريخية لها وعليها من غير إسراف، وربط كل ذلك بالطوائف المتفرعة عنها في الهند والباكستان والبلاد العربية ... لاسيما طائفة الدروز فقد أوضح كثيرا من أفكارهم وأسرارهم .. مما يعد بحق -طريفا- في هذا الموضوع.