دعوة الحق، س5،ع6/ مارس 1962 .................... ص 69
"إسلام بلا مذاهب"
للدكتور مصطفى الشكعة
قرأه وعلق عليه الأستاذ عبدالقادر زمامة
موضوع الخلاف العقائدي في الإسلام من الموضوعات الخطيرة والقضايا الكبرى التي شغلت أذهان المفكرين المسلمين أيام ازدهار الحضارة الإسلامية، فكتب الإمام ابن حزم الظاهري وكتب الشهر ستاني، والبغدادي وغيرهم أبحاثا طويلة الذيل عالجوا فيها تحليل المذاهب والآراء لمجموع المذاهب الإسلامية الشهيرة: من سنة، ومعتزلة، وشيعة، وغالبية، والظاهرة العامة لكتابة هؤلاء المفكرين والمؤرخين تبدو في شكل صراع فكري ترتفع درجة حرارته كلما كان الكاتب متعصبا لمذهب معين، أو فرقة معينة، وتنزل كلما كان الكاتب معتدلا متسامحا مع مخالفيه، فضاعت كثير من الحقائق، وغمضت كثير من المواقف وديست كثير من القضايا بالحق تارة وبالباطل أخرى .. وكانت ردود الفعل عنيفة من الجهة التي تتعرض للنقد أو التجريح ..
فالباحث الذي يحاول معرفة الحقيقة عن إحدى الفرق الإسلامية مضطرا لمراجعة كتب انصهارها وخصومها على السواء .. لأن ضالته المنشودة لن يقتنصها إلا من غبار المعركة التي احتدمت بين أقلام الأنصار والخصوم.
وأصوات -الوحدة- والاتحاد بين المذاهب والنحل، كانت ترتفع أحيانا في شكل صيحات ينادي بها رجال الإصلاح الإسلامي من (السلفيين) وغيرهم، ولكنها كانت صيحات لا تلبث أن يخفت صوتها ويضمحل أمام الضجات العنيفة التي يثيرها -المذهبيون- دفاعا عن الوضعية -المذهبية- في المجتمع الإسلامي ..
ولعله لم يخطر على بال هؤلاء أن هذه الوضعية ستكون في يوم ما ثغرة واسعة لأعداء الإسلام والمسلمين ينفذون منها بسهولة لضرب بعضهم ببعض كفرق متناحرة، متعادية، حتى إذا آنسوا الضعف من الجميع فوقوا وصوبوا القذائف للعقيدة نفسها، بما فيها من شريعة ونظام ومقدسات ..
وأغرب الغرائب في قضية الصراع المذهبي والصراع بين الفرق والنحل الإسلامية .. أن كثيرا منها نشأ حول خلاف سياسي توفرت أسبابه الحزبية والشخصية، في فترة معينة من تاريخ الإسلام، ثم زالت تلك الأسباب وانطوت تلك الفترة بخيرها وشرها وانعدمت كل دواعي الخلاف .. ولكن الفرقة ظلت قائمة وتلك الفرق ظلت متمسكة بما سنه المؤسسون لها كقانون متحجر لا يعاد النظر فيه على أساس وحدة إسلامية نادى بها كتاب الله الذي يومن الجميع بقوله: (وأقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه).
وجاء الغزو الأوربي لشعوب الإسلام، وتغلغل حربيا واجتماعيا، وفكريا في أعماق الأعماق ومرت ظروف قاسية بالمسلمين استعمل فيها خصومهم أسلحة فتاكة من جملتها استغلال العداوة بين الفرق الإسلامية وإثارة دفائن الأحقاد .. ومع ذلك بقي الوضع قائما ..
وهذا ما أثار غيرة كثير من الأساتذة والباحثين في العصر الحاضر .. وهذا ما أثار همة رجال الإصلاح الإسلامي في نهاية القرن السالف وأوائل هذا القرن وكل عالج الموضوع على طريقته الخاصة وأسلوبه الخاص .. منها السياسي .. ومنها الاجتماعي .. ومنها الديني ... ومنها العلمي.