وإذا فلم يبق إلا أن يعمد السيد بوليو إلى تدشين العمل والخروج به إلى حيز التنفيذ في هذه الصحاري التي لا يوجد فيها أي تجهيز، ولا يمكن أن تقدم لرجال الأعمال والمقاولين إلا العقبات وأقصى ما يتصوره العقل من العراقيل.
فكيف سارت الأعمال منذ أن توافرت الأموال وأبرمت العقود بين الشركة والحكومة الفرنسية؟.
لقد كتب صحفي زار موريطانيا وكتب انطباعاته عنها في جريدة شنقيط عام 1959 هذه الفقرة عن نشاط مفيرما إلى ذلك الوقت ( .. إن الاتفاق الذي أبرم بين الحكومة الموريطانية وشركة استغلال الحديد لموريطانيا تنص على أن تبدأ الحفريات بعد سنة من التوقيع، ولكن تلك الأعمال أجلت سنتين كاملتين أي إلى عام 1955 ثم أرجئت إلى سنة 1956 وكانت هناك عقبات أخرتها عاما آخر ثم عادت فؤجلت إلى سنة 1958، ثم أرجئت إلى 1959 ولكن ظروفا قاهرة جعلت التنقيب يتأخر، ولا شك أنه سيبتدئ في مستهل 1960).
هذا ما كتبه صحفي زار موريطانيا، والواقع أن حدسه -من حيث المبدأ- كان في محله إذ أن ميناء بور إتيان لم يلبث أن استقبل في 19 يوليوز 1960 أوائل الحفر والقضبان الحديدية ومختلف الأجهزة والسيارات وعشرات الفنيين الأوربيين، وبدأت الأوراش تعج بالحركة، بل وأخذت مدينة أروبية مستوفية شروط السكنى تقام بالقرب من بور إيتيان أطلق عليها (كونسادوا) وأخذ العمال الأوروبيون والسنغاليون يعملون على خلق (الميناء المدني) ويقومون بمد خط حديدي طوله 650 كيلو مترا.
وفجأة أذيع بلاغ قصير من باريس أعلن فيه السيد بوليو أن الأعمال ستوقف مرة أخرى ثمانية عشر شهرا - ابتداء من فبراير 1962.
فماذا حدث حتى اضطر المسؤولون عن مفيرما لوقف نشاط شركتهم وما هي الظروف التي لم يدخلوها من قبل في حساباتهم والتي عصفت بحملهم الأول وهو ربح (معركة الزمن)؟
الأمر هذه المرة لا يتعلق بانعدام المياه الضرورية لتموين الأوراش الموجودة (بكدية الجلد) ولسد حاجيات المحطات المقامة على طريق فور غورو -بور اتيان، ولا بغزوات التلال الرملية على الخط الحديدي وطمسها لمعالمه، ولا بتعثر المفاوضات بين الشركة وبين الحكومة الاسبانية التي تحتل منطقة من الصحراء المغربية يجب أن تمر فوقها فلزات الحديد الموسوقة نحو البحر، ولا بالصعوبات الناتجة عن محاولة توفير وسائل الحياة الضرورية للإطارت الفنية التي يتعين عليها أن تعيش في ظروف هي أقصى ما يمكن أن تصل إليه القسوة والعسر ..
ليس لهذه العلل أو لبعضها على الأقل تجمدت أعمال المفيرما كما حصل في السنوات العشر المنصرمة ولكن لأسباب أخرى لم تخطر -كما قلنا- ببال عباقرة العمليات الحسابية وأرباب الأموال الذين سال لعابهم عندما رأوا بأم أعينهم طبقات الحديد الغنية بالمعدن الجيد دون أن يستطيعوا تدبير شحنة نحو الأسواق الأوربية.
أما بالنسبة إلى الذين حكموا على الشركة بالموت، وأوقعوا الأسهم في هاوية التردي والإفلاس فكان الأمر بسيطا لم يكلفهم عناء ولا جهدا ولم يتطلب منهم عمليات حسابية أو هندسية.
ففي ليلة من ليالي دجنبر الماضي اجتمع ثلاثة عشر شخصا من أبناء موريطانيا، وممن دربتهم الشركة واعتقدت أن الفتح المبين سيأتي على يدهم وتعانوا فيما بينهم على نقل منشآت مفيرما الموجودة في مكان الاستثمنار على ثلاث سيارات للشحن، وكان من بين ما نقلوه أجهزة الحفر ومقاييس الحرارة والماء وجهاز الرصد وآلة الاتصال اللاسلكي، وعدة صناديق من قطع الغيار وأربع بنادق سريعة الطلقات وصندوق للذخيرة وبضعة أحزمة من المتفجرات التي تستخدم لتكسير الحجارة، ولم ينس أولائك الرجال أن يأخذوا معهم ما كان يضمه المكان من مواد غذائية وقرب الماء العذب ومن الحيوانات المعدة للذبح، وبعد أن انتهوا من تحميل كل هذه الأشياء وغيرها على سيارات الشركة أخذوا في سلوك الطريق الشرقي نحو مالي، وكان ذلك قبل أن يطلع الفجر وينتبه السادة الذين كانوا يحتفلون بعيد الميلاد ويملئون بطونهم من المشروبات الروحية وينشدون حول الظبي المشوي الذي اصطادوه في المساء.
وقصة الاستيلاء على منشآت مفيرما في كدية الجلد وحملها نحو مالي عبر صحراء موحشة طويلة لا يمكن أن تكون شبيهة بالأساطير التي تطرفنا بها كتب العجائب والغرائب إلا إذا أتممنا حصولها منذ تلك الليلة إلى أن دخل القوم أراضي المالي.