ووقع في فتنة عمياء سفك فيها كثيرا من دماء المسلمين وصرفوا بها عن جهاد عدو من اعدائهم الى قتل انفسهم).
وليس معنى هذا ان المؤلف يبرر موقف الحجاج من قتل هذا السيد الجليل، ولكن معناه انه يتعمق الحوادث ويهضم الاسباب، فظلم الحجاج وسفكوه للدماء اشهر من نار على علم.
ولا ادري لم اغفل المؤلف قضية مصادرة فاتح الاندلس العظيم موسى بن نصير، ومائساته الشهيرة مع انها من صميم القضايا ومن اهمها في عصر الامويين؟
فتتبع المؤلف قضايا عصر ابن العباس بما فيها من ضرب الامام ابن حنبل وفتنة الحلاج، وقضية الافشيين وغيرها. . فعرضها عرضا رائعا واضح المعالم، وتتبع سير الاحداث بمهارة واطلاع وسعة افق، فلم يجار المؤييدين لسياسة الدولة، كما لم ينتقد الا ما وجب نقده من انحراف عن جادة الحق والصواب.
واقرا ما كتبه عن ادانة المنصور في حبسه لابي حنيفة حين امتنع من ولاية القضاء، ثم ضربه وموثه من اثر الضرب، فعمل المنصور كان مشينا ازاء رجل بلغ من نزاهته وعفة ضميره ان هاجر وظائف الدولة لكي لا يتورط فيما يتورط فيه كثير من الناس. .
ويطول بنا الحديث لو تتبعنا جميع القضايا التي عرضها المؤلف كان في ابن رشد، وجدال ابن تيمية للاشاعرة ومحنة هذا السلفي العظيم، غير اننا لا نطوي الحديث عن هذا الكتاب دون ان نتعرض لقضيتين هما قضية كتاب_الاسلام واصول الحكم_للاستاذ على عبد الرزاق وكتاب_في الشعر الجاهلي_للذكتور طه حسين.
فالقضية الاولى احاط المؤلف بجدورها عندما ابان موقف الاتراك في اسقاط الخلافة الاسلامية طمع الملك فؤاد في تقمصها. . ومعارضة حزب الاحرار الدستوريين الذين كان الشيخ على عبد الرزاق من اعضائه البارزين: لا شأن له بالحكم والدولة فقامت عليه ضجة حوكم على اثرها وحرم من لقب_العالمية_.
فالقضية الثانية عالجها بسعة افق وانصاف ايد فيها البحث العلمي. . وقدم طه حسين كنابغة من نوابغ العصر ولكنه لم ينزهه عن الخطأ والتناقض، فقال عن مؤلف (في الشعر الحاهلي) ما نصه:
(فالمؤلف قد تورط في هذا الموقف الذي لا صلة بينه وبين العلم بغير ضرورة يقتضيها بحثه، لان ما اراده من انكار قضية تعلم اسماعيل للعربية من العاربة لم يكن يستدعي التشكك في صحة اخبار القرءان عن ابراهيم واسماعيل)
وهكذا يختم الشيخ عبد المتعلى هذا المؤلف الطريف بعد ان يثير اعجابنا باطلاعه وانصافه وتعمقه.
فاس_عبد القادر زمامة