قنابل المدافع وحجارة المجانيق حتى سقطت مبان كثيرة منها وعمت المجاعة بسبب انقطاع الموارد الخارجية ثم انعقد الصلح على يأمين اهل البلد وتسليم ابي مروان الى اخيه بعد ان توثقوا منه حتى لا يناله منه مكروه، ولكنه غدر به وقتله خنقا ثم مات بعده ببضعة ايام.
وتولى بعده المولى عبد الله بن اسماعيل فانقاد اليه اهل فاس ثم حدث بينه وبينهم سوء تفاهم حيث طالبهم بالتنازل عن بساتينهم لصالح الدولة فرفضوا محتجين بحقهم في الملكية، وبان شروط البيعة لا تتضمن هذا التنازل فقام يحاصرهم ويخرب بساتينهم وزروعهم، وطال الحصار حتى اذغن الفاسيون للسلطة الحاكمة، واحتفظوا مع ذلك باملاكهم، وكان المولى عبد الله شديدا على من كانوا يسمون بجيش العبيد، فثاروا به وولوا اخاه عليا.
وكان عامل فاس في عهده اولا مسود الروسي وكان متهورا، فقتل احد زعماء البلد، وقام الفاسيون لحربه حتى عزله السلطان الجديد.
وفي عهد السلطان المولى سليمان ثار اهل فاس على عاملهم محمد الصفر بسبب تهتكه وخلاعته فكتب اليهم السلطان خطابا طويلا ذكر نصه كاملا صاحب الاستقصاء. ومما جاء في رسالته:
﴿واما الفسق فهو عادة وديدن كا من قام في الفتنة. وكم مرة رمت قطعه فلم اجد اليه سبيلا، لان جل كبرائكم بالمصاري والعرصات، وانما اولي عليكم البراني لانكم لاتحسدونه وان اكل وحده. .﴾
ثم يضيف الخطاب:
﴿. . وانظروا ما اجبتكم به وما كتبتم لنا به واعرضوه على فقهائكم فمن قال الحق منا، ومن قال الباطل اخذتم بحظكم من الفتن﴾.
وفي اواخر عهد السلطان المذكور اعتدي عبيد الاودايا على اليهود فنبهوا اموالهم وهتكوا اعراضهم ثم قتلوا منهم عددا كبيرا، ورأموا ان يفعلوا مثل ذلك بمسلمي فاس فقاموا ضدهم قومة رجل واحد، وعينوا عليهم لجنة تمثل الاقسام الرئيسية من البلد فدبرت اموره حتى غرم الاودايا مااتلفوه للسكان مسلمين ويهودا.
وفي عهد السلطان الحسن الاول امتنع اهل فاس عن اداء المكس الذي كان قد فرضه السلطان محمد ابن عبد الله على البضائع الواردة من المدينة ثم خلعوا عاملهممحمد بنيس واستصفوا امواله وكادوا يقتلونه حتى اضطر الى الالتجاء الى ضريح الامام ادريس، وتزعم الثورة الدباغون خاصة ومنعوا العامل الجديد ادريس السراج من الالتحاق بالسلطان بعد ان كادوا يأتون على حياته هو ايضا، وقد كانت له يد في سوء تصوف بنيس، فاضطر السلطان الى حربهم وحصارهم ثم مال الى الرفق في اجتذابهم وبعث اليهم منشورا يحذرهم مغبة تمردهم فركنوا الى الطاعة ونفى السراج الى مراكش.
واذا اضفنا الى ما تقدم شورة اهل فاس ضد اقرار نظام الحماية، هذه الثورة التي سبقت اقرار النظام المذكور بشهور عديدة وجرت معها ثورة بني مطير وغيرهم، ثم قيام الحركة الوطنية بهذا البلد نفسه وظهور زعماء اقوياء كانوا على رأس الثورة الشعبية العارمة التي ادت الى استقلال المغرب فسنستخلص من ذلك سلسلة طويلة من الثورات التي لا يسع لذكرها كلها في هذا البحث الوجيز
فما هي العوامل الحقيقية التي جعلت من عامة اهل فاس ثوارا بطبعهم؟
1_ان الاصول الاولى لسكان المدينة اصول عربية تقاطر معظمها من الاندلس وخصوصا من قرطبة وبالتالي اثر وقعة الربض، بالاضافة الى هجرات اخرى في عهد الادارسة والزناتيين وغيرهم، وقد ورثت هذه الاصول العربية عن سكان قرطبة لثغة لسانهم كما نقل فقهاء فاس عن فقهاء الاندلس صراحتهم وحديثهم وتدخلهم في سياسة الدولة بشكل مباشر اة غير مباشر، ولم يكن فقهاء الشرق يبلغون تعصب فقهاء الغرب وشدتهم، ولكن يبدو ان وضع المسلمين في الاندلس بين الممالك المسيحية، حدا بالفقهاء الى ظهورهم باستمرار على مسرح السياسة في الاندلس، وحيث ان فقهاء فاس درسوا بقرطبة ايام عزها فقد نقلوا عن فقهائها كما تقدم نفس الاهتمام بالشؤون السياسة
2_ ان التجاء العناصر العربية الراقية من الاندلس الى فاس جعلها تشكل مجموعة لها من المقومات والخصائص ما تمتاز به كثيرا عن باقي المناطق المغربية،