تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5 - ع 5 فبراير 1962 .................... ص31

عدالة الشريعة الإسلامية

للأستاذ: أحمد الزيتوني

إن لكلمة العدالة تقديسا وإجلالا في أفواه البشر، وفي فطرة الإنسلنية السليمة أيضا، وقد شهد الواقع بذلك في الطبائع الآدمية على تفاوت طبقاتها وأعصارها وتباين بلدانها واختلاف ألسنتها وأجناسها وعلى تخالف كثير أو قليل في فهم العدالة نفسها، وكثيرا ما يسمع من أحد المتنازعين-وقد صدر ضده الحكم التسخط والتأسف، متهما الحاكم بإهانة العدالة وهضم حقها في جانبه.

وقد يكون الأمر كذلك فيما إذا وقع انحراف في تطبيق العدالة، أو كانت بنود القانون من بنات الأفكار البشرية، التي هي عرضة للأخطاء والسهو، أو روعي في وضع القانون صلاحيته لأمة خاصة، اعتبارا بوضعها الخاص.

فمن الأحسن لسعادة البشرية جميعها وجود قانون قد استمد فصوله من العدالة الحقة، المعصومة من الخطأ، ليكفل للأفراد والجماعات حرمتها ونظامها، حتى لا تهدر الحقوق، ولا تسود الفوضى، وينال الكل ما له من الواجبات، ويحترم-عن طيب نفسه- ما لغيره من الحقوق، أينما حل وارتحل من الكرة الأرضية التي قد يصير سكانها في يوم ما-بفضل التقدم العلمي- كعائلة واحدة، أو كأمة واحدة، فمن المعلوم أن لا بقاء لأمة بلا عدل ولا نظام، بل الحيوان والمعدن والسماوات والأرض لا قيام لهل إلا بالعدل والنظام.

ونحن الآن نعيش في النصف الثاني من القرن العشرين، الذي خطت فيه الإنسانية خطوات واسعة في التقدم العلمي والفكري، وقطعت فيه أشواطا كبرى في طريق الرقي المادي، وبلغ النوع البشري في الميدان الاختراعي إلى حد محاولة اختراق الأجواء والطمع في غزو الكواكب السابحة في الفضاء، غير أننا لم نسمع من حاول أن يشق غبار الشريعة الإسلامية في خلق قانون يفوز بالصلاحية لتحقيق حاجيات المجتمع البشري في الميدان العدلي، ولم نر مثل الشريعة الإسلامية في تحقيق ذلك، على اختلاف الأزمان وتباين الأفكار وتباعد الأقطار، ولم نر مثل الشريعة الإسلامية في اجتثات واستئصال كل ما قد تتعثر به العدالة في طريقها إلى القيام بمهمتها، أو يكدر صفوها من الاعتبارات الدينية أو العاطفية، أو القرابة أو غيرها من الأمور التي أعلن الإسلام إهدارها-في جانب العدالة- منذ أربعة عشر قرنا.

لقد أثار المشركون حفيظة المسلمين بالتصدي لهم بالمنع-ظلما وعتوا- في واقعة (الحديبية) من ممارسة الشعائر الدينية، ومزاولة مناسك العمرة، وقد كان من الطابيعي أن ينتقم المسلمون-عند القدرة- رادين على الاعتداء بالمثل، قضاء لحق المظلومية، وإرضاء لغريزة التشفي.

ولكن القرءان ذكرهم بأن روح الإسلام الكريمة تحتم الضرب عن كل ذلك صفحا، ويلفت نظرهم إلى وجوب الوفاء بحق أداء الشهادة لله، واحترام جانب العدالة، واطراح كل ما تقتضيه طبيعة الشنئان والبغض لقوم، ويلفت القرءان الكريم نظرهم إلى وجوب سد كل المنافذ التي قد تتسرب منها عواصف تطفيء نور العدالة، أو عوامل تفل الشهادة لله.

ويعتبر القرءان كل ما خالف ذلك من قبيل الاعتداء الذي لا تعترف به ولا تقره الشريعة الإسلامية، ويعلن أن الواجب يقتضي التعاون على البر والتقوى الذي كان من أبرز مميزاتها-في نظر الإسلام- الأخذ بيد العدالة، وسد باب الملاحظات التي تعرقل السير في سبيل نصرة الحق، وأن التقصير في شيء من ذلك معدود- في رأي الشريعة الإسلامية- من قبيل التعاون على الإثم والعدوان الممقوت في ملة الإسلام، وبالتالي تعتبر الشريعة المتهاونين في أمر القيام بالعدالة كما يجب قد تعرضوا لشدة عقاب الله تعالى الدنيوي والأخروي، اقرأ هذا باعتبار وإمعان في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٦٦