﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا﴾
﴿ان يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا اليكم ايديهم والسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون﴾
﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا خبالا ولا وضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة، وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين﴾.
ذلك قليل من كثير مما صوره لنا القرآن من موقف أعداء الاسلام من ديننا الحنيف، هؤلاء الأعداء الذين أصروا على محاربة الدعوة الجديدة التي استهدفت تقويض الأصنام البشرية والمصطنعة، وحاربت الانحطاط العقلي، والرجعية الروحية، وأعلنت للانسانية جمعاء ان عهد ﴿الفكرة﴾ قد أشرق اكمل مايكون الاشراق، ولكن الذين في قلوبهم مرض، وفي غرائزهم انحراف، وفي ارادتهم ضعف، لم يرضوا عن تلك الدعوة التي ازالت لهم كل مبرر للزعامة وألغت لهم كل شرعية للاستغلال، وانزلتهم من بروجهم واستخرجتهم من قصورهم الى المستوى الذي يجب ان يتساوى فيه ابناء ءادم، لا فرق بين أبيض وأحمر وأغنى وأفقر.
ولهذا لم يكن من الممكن ان يظل هؤلاء الذين رزئوا في زعامتهم، وطعنوا في شرعية استعباد اخوانهم، وانزلهم الحق من باطلهم صامتين ينظرون، ومكتوفين لا يعملون. بل ان اخلاصهم لانحرافهم، وايمانهم بشياطينهم لا يقلان قوة عن اخلاص المسلمين لاستقامتهم، وايمانهم بربهم فمنازلتهم الاسلام امر طبيعيومنطقي .. اذ كان على الاسلام في الناحية المواجهة ان يسلم نفسه للدفاع عن كيانه، والذود عن حياضه في خضم هذا الصراع الهائل بينه وبين أعدائه.
وتاريخ الاسلام من اول الدعوة الى الأن سلسلة من ذلك الصراع العنيف. فلقد نازله المشركون واليهود والنصارى والمجوس والمغول والصليبيون، ولم تقتصر محاربتهم له في ميدان الوغى، وانما كان نزالهم أعنف واقوى واخبث في الميدان الثقافي والعقائدي، فكم زورت على الرسول من أحاديث، وعاى الاسلام من أفكار، ولذلك رأينا الأمة الاسلاميةتنقسم الى شظايا، والشظايا تنقسم بدورها الى ان وصلنا الى أمة تصل فرقها بل أممها الى رقم خطير ..
ولقد ظن الجنرال الفرنسي غورو ان هذا الصراع قد انتهى عندما وقف على قبر صلاح الدين الأيوبي بدمشق وقال بكل حقد: الآن قد انتهت الحروب الصليبية، كما ظن ذلك الجنرال الانجليزي عندما قال على قبر صلاح الدين ايضا: ها نحن قد جئنا ياصلاح الدين، ولكن الحركات الاسلامية التي انفجرت في كل مكان جعلت كلام هؤلاء وابناءهم لا ياخذ مركز النهاية، وانما جعلته حلقة في تلك السلسلة الطويلة غير المنتهية من الصراع بين الاسلام وأعدائه.
وحياتنا المعاصرة ليست سوى حلقة من ذلك الصراع الخطير بين الحق والباطل والنور والظلام، والفكرة والصنمية وان كانت الظروف العالمية الحاضرة قد ادخلت على ميدان الصراع الفكري والحضاري عوامل جديدة وسريعة من وسائل النشر والاذاعة والتقارب الزمني والمكاني لدرجة جعلت اجزاء الكرة الأرضية اكثر التصلقا واتصالا ببعضها مما مضى.
وقد اقحم العالم الاسلامي ضمن هذا العالم وقدر له ان يدخل ميدانا جديدا من الصراع مع اعدائه التقليديين الذين تسلحوا بالعلم والقوة والوحدة، فواجههم متفرقا، ونازلهم وهو لا يملك ما يملكون وكانت النتيجة ان وجد نفسه يستسلم جزءا فجزءا ووجد ان الذين يستعمرونه هم اولئك الحاقدون على الاسلام منذ ان قوض لهم افكارهم وسفه احلامهم .. اي منذ بداية الدعوة .. ولمس فيهم تلك الروح التي لمسها اجداده في اجدادهم في الحروب الصليبية .. اذن ما ينتظر العالم الاسلامي من عدو قد ءامن اشد الايمان بشرعية محاربة الاسلام، حتى اصبح هذا الايمان يكون له نسيجا لشخصيته ومركبا طبيعيا لنفسيته.
وقد اتيح للاستعمار ان يخطط البرامج الشاملة والدقيقة والبعيدة المدى لتحقيق آمال أجدادهم في تخريب العالم الاسلامي من ناحية الفكرة والمادة، ولكن باسلوب جديد وخبيث، ويتمثل هذا الأسلوب في التوجيه الثقافي والعلمي الى النواحي التي تعوق العالم الاسلامي عن كل هدف حيوي، وجعل المستوى في اطار لايتعدى ﴿الثقافة الأهلية﴾