وهكذا لبى الاسلام في ذلك رغبات الإنسان ولذاته الشخصية من غير عدوان على أحكام العقل، ولا حيف على طبيعة الإنسان كإنسان، ولم يشترط في الوصول إلى الطيبات وزينة الحياة وما أتاه الله للإنسان من ملكية استخلفه فيها غير الطريق المشروعة، والعمل الصالح، وأن يحسن فيما آتاه الله كما أحسن الله إليه، وأن لا يبتغي الفساد في الأرض.
وان كل نطلب خاص للإنسان يتجاوز هذه الحدود فهو ممنوع عليه، لأنه يخرج الإنسان من نطاق السلام إلى نطاق البطلان والفساد، وقد قال الله سبحانه وتعالى في ذلك (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقال أيضا (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن غليك ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين) وقال أيضا (آمنوا بالله ورسوله، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه).
وبذلك احتفظ الاسلام للإنسان بمكانه في الوجود كإنسان، وبحظوظه فيه، وأباح له ما شاء من الحظوظ، وما آتاه الله من ملك استخلفه فيه: بشرطين اثنين فقط هما الإحسان وعدم الفساد، ولم يشأ أن يرتفع بالإنسان من عالمه إلى عالم ليس هو منه وهو عالم الأرواح الخالصة، ولا يهبط به إلى عالم الشياطين.
السلام في الصلاة فيما بين الناس عامة
وأما في الصلاة فيما بين الناس عامة، فقد فرض أيضا دستور الإسلام السلام فيما بينهم، وقال في سبب جعلهم شعوبا وقبائل أنها كانت وسيلة لتسهيل التعارف والتقارب فيما بين الناس، لا وسيلة ليرتفع بعضهم على بعض ويتخذ بعضهم من أنفسهم آلهة من دون الله فوق الآخرين، وقد قال القرآن الكريم في ذلك: وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكن) واستل بذلك من نفوس المسلمين ما رسخ في نفوس جميع الأقدمين والكثيرين من الحديثين من رجحان شعب على شعب في الحقوق والكرامة، وتجريد الكثيرين من بني الإنسان من حقوقهم الحرة في الحياة والسيادة.
السلام في النظام العام
وأما في النظام العام فقد فرض دستور الاسلام السلام أيضا ما بين الإنسان وأخيه الإنسان: فلا طبقية ولا عرقية ولا أجناس، وقرر المساواة ما بين الجميع فقال رسول الاسلام عليه الصلاة والسلام في ذلك (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى) وهذا أيضا منتهى ما تنشده الإنسانية اليوم ومفكروها، ومنتهى ما تعمل على إدخاله في دساتيرها، كحقوق طبيعية للإنسان.
السلام في الحكم
وأما في الحكم فقد فرض أيضا دستور الإسلام السلام فينا بين الناس في الحكم، لأنه فرض العدل في الحكم والمساواة في الحقوق لجميع من يسوده نظام الاسلام ولو لم يكن عربيا أو مسلما، وجهرت أحكام الاسلام في ذلك لغير العرب ولغير المسلمين قائلة (لكم ما لهم، وعليكم ما عليهم).
أثر هذه المبادئ السلمية فيما بين أبناء العروبة من مسلمين وغيرهم
وبذلك لم يعد هناك من فارق بين أبناء العروبة مسلمهم وغير مسلمهم في الافتخار بحمل هذه الرسالة إلى أبناء الإنسانية لتسود فيهم أحكامها، كما لا يوجد فارق اليوم بين أبناء الدولة الواحدة الحديثة على اختلاف أديانهم ممن يدينون بدساتيرهم المتحررة ويفتخرون بها ما دانت تقوم على هذه القواعد العامة للإنسانية، والمبادئ الخالدة.
أثر هذه المبادئ السلمية فيما بين العرب وغيرهم
وبذلك أيضا لم يعد هناك من فارق ما بين عربي وغير عربي في الافتخار بحمل الرسالة وأدائها، والانضواء تحتها، والأخذ بمبادئها الدستورية، والتقديس لمن نادى بها ودعا إليها، وما تقديس المسلمين غير العرب للعرب والإيمان بهم، والافتخار بالالتحاق بهم والانضواء تحت لوائهم، ممجدين العروبة من غير غل، ومفتخرين بها من غير شك، إلا أثر هذه العروبة التي بلغت في ظل البعث الإسلامي كما أراده الله آخر مرحلة من مراحل تطورها، فكانت من قبل الاسلام قومية عربية عصبية كغيرها: يجتمع أصحابها ليعيشوا لأنفسهم، فأراد الله لها بالإسلام