تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القوميات وأصبحت رابطتهم القومية عنوانا على حمل رسالة إنسانية خالدة وأداء أمانة تحريرية واجبة.

قواعد الاسلام الدستورية القائمة على روح الاسلام في جميع نواحي الحياة

تلك الرسالة الخالدة هي ما جمعها الاسلام في قواعده الدستورية القائمة على روح السلام في جميع نواحي الحياة:

ـ في العقيدة أولا، وفي الحياة الخاصة ثانيا، وفي الصلاة فيما بين الناس عامة ثالثا، وفي النظام العام رابعا، وفي الحكم خامسا.

السلام في العقيدة أولا ووقائع ذلك مع المسيحيين

ففي العقيدة فرض دستور الاسلام السلام أولا ما بين العلم والعقل من جهة، وبين العقيدة من جهة ثانية، واختص في خطابه الذين يعملون والذين يعقلون كما مر معنا آنفا، فقال: (قل هذه سبلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) وقال أيضا (نفصل الآيات لقوم يعلمون) وقال (كذلك يفصل الآيات لقوم يعقلون).

وكذلك فرض دستور الإسلام السلام في العقيدة فيما بين أصحاب الأديان فقال (لا إكراه في الدين).

وهذا لعمري منتهى ما وصلت إليه البشرية اليوم في دساتيرها الراقية الحرة في سبيل حماية حرية المعتقدات، مما قد سبقهم إليه الإسلام قبل أربعة عشر قرنا بكل تأكيد.

بل ذهب إلى أبعد من ذلك فحض على البر بأبناء الأديان الأخرى مهما كانت عقائدهم، ما لم يقاتلونا في الدين وما لم يخرجونا من ديارنا، فقال سبحانه وتعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين) تبارك الله العظيم إنه والله لدستور سلم كريم، لم يسبق أحد إليه من الأولين، ولا نظن أن أحدا سيلحق به في الآخرين.

وأعطى دليلا عمليا على ذلك حين دخل الاسلام إلى مصر وبلاد الشام، ووجد النزاع قائما ما بين الكنيسة الغربية في حماية أباطرة الرومان وبتشجيعهم، وبين الكنيسة الشرقية التي لا حماية لها وهي أصل النصرانية، ومع ذلك فقد كان معظم رجالها يتهمون بالزندقة والإلحاد، فلما حل الحكم الإسلامي محل الحكم الروماني، لم يثر هذه على تلك، بل حمى الاثنتين ولو كانت كل منهما ضد عقائد الإسلام، فوقفت الكنيسة الشرقية على رجليها، ولم تشعر الكنيسة الغربية باضطهاد، وان موقف الاسلام منها هذا الموقف هو الذي يفسر موقف بطارقة حمص، عندما تركهم أبو عبيدة فاتح حمص وأراد أن يرد عليهم الجزية التي أخذها فأجابوه (إن عدلكم أحب إلينا من ملوكنا) ثم أغلقوا أبواب مدينة حمص ضد الرومان منتظرين نتيجة المعركة بين المسلمين والرومان، وداعين بالنصر للمسلمين على الرومانيين.

بل ذهب الاسلام إلى أبعد من ذلك وأعطى لكل منهم حكما كنيسيا في الشؤون الدينية، لم يكن ليعترف به لأحد منهما من قبل دولة الرومان النصرانية.

ولا بد أن نشير في هذا المقام إلى ما سجله مؤرخو المسيحية أنفسهم مما لاقته الكنيسة الشرقية في عهد الصليبيين من (إقفال الكنائس الشرقية واضطهاد بطارقتها إلى أن أحوجوهم أن يفضلوا موادة العرب حكام البلاد الأصليين على موادة الصليبيين، كما صرح بذلك صاحب كتاب سوسنة سليمان.

السلام في الحياة الخاصة

وأما في الحياة الخاصة فقد فرض دستور الإسلام السلام أيضا ما بين رغبات الإنسان ومطالبه في الحياة، وما بين فكرة الإحسان والصلاح في تلك الرغبات، فقال رسول الله (ص): إن قوما ركبوا سفينة فاقتسموا، فصار لكل منهم موضع، فنقر رجل في موضعه بفأس، فقالوا له ما تصنع؟ قال هو مكاني أصنع فيه ما أشاء، فإن أخذوا على يده نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا، وقال القرآن الكريم في لذات الإنسان: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) وقال أيضا (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا .. )

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٤١