هذه حاجة ملموسة لا نرى مؤسسة تربوية تقوم بتحقيقها في العالم الإسلامي، إن القلق يقض على جميع أهل العلم والرأي مضاجعهم وهم يتفكرون أي معجزة يمكن أن تحفظ على هذه الأمة دينها من الفساد النهائي، وأخلاقها من الانحلال التام لو لم يبرز إلى الوجود نظام للتعليم والتربية يحمل في طياته المزايا المذكورة آنفا. ومما لا يرتاب فيه أحد أن وضع منهج للتعليم كهذا، يتطلب من الوسائل ما لا يقدر على تهيئته إلا الحكومات، وأكثر الحكومات الحاضرة في العالم الإسلامي قد تربع على كراسيها رجال لا يخفى على أحد عقلياتهم واتجاهاتهم.
ولها ـ والحالة كما قلت ـ لم أجد أبدا، أمام هذه الحاجة الملحة، من أن أقدم إلى العالم الإسلامي ما أجد في ذهني من مشروع لمؤسسة تعليمية منشودة آملا أن يتفكر فيه أهل العلم، وأن يقبض الله لحكومة من الحكومات المسلمة الحاضرة إخراجه إلى الوجود أو أن يشرح صدور بعض أهل الثراء والأيادي البيضاء في الدنيا لهذا الغرض وما ذلك على الله بعزيز.
وفي ما يلي أذكر على وجه الاختصار ما أجد في ذهني من الاقتراحات بخصوص جامعة إسلامية على الطراز الجديد:
1 ـ إن أول شيء وأهمه بالنسبة لهذه الجامعة هو أن تحدد غايتها تحديدا واضحا حتى لا يوضع كل نظامها إلا على حسب هذه الغاية، ولا يعمل فيها العاملون إلا واضعين هذه الغاية نصب أعينهم، ولا ينظر إليها عامة المسلمين إلا من ناحيتها ولا يعتبرون نجاحها في أداء رسالتها إلا على مدى نجاحها فيها. وعندي أن جامعة كهذه يجب أن تكون غايتها: "إعداد علماء صالحين يتولون مهمة إرشاد الدنيا وتوجيهها في هذا العصر الجديد وفق أحكام دين الحق ومبادئه".
2 ـ يجب أن تكون دائرة هذه الجامعة محدودة في العلوم الإسلامية. أما العلوم الأخرى فإنما تدرس فيها باعتبار أنها مساعدة للعلوم الإسلامية لا باعتبار أن الجامعة تهدف إلى إعداد الماهرين فيها.
3 ـ يجب أن تكون هذه الجامعة سكنية لا تكون سكنى الطلاب ولا سكنى الأساتذة إلا في داخلها.
4 ـ ينبغي أن يكون بابها مفتوحا على مسلمي الدنيا جميعا حتى يقصدها من جميع نواحي الأرض إذا شاؤوا.
5 ـ ينبغي أن يكون وسطها إسلاميا بكل معنى الكلمة حيث يتحلى الطلاب بالتقوى والأخلاق الفاضلة ويغرس فيهم الولوع بالثقافة الإسلامية، ويجب أن يعمل كذلك على حفظها من تأثيرات الثقافة الغربية ونفوذها حتى لا ينشأ في طلابها تلك العقلية المهزومة التي نرى بوادرها تشفو بكل سرعة في الأمم المغلوبة المفتتنة بحضارة الغرب وثقافته في كل مكان.
ومن الواجب ـ لهذا الغرض ـ أن يكون استعمال اللباس الغربي غير مسموح به في حدود هذه الجامعة وأن تروج فيها لتربية الطلاب تربية رياضية ركوب الخيل والسباحة والرمي واستعمال الأسلحة والتمرن على سوق السيارة والدراجة النارية وما إليها من الألعاب الرياضية الجديدة الأخرى بدلا من الألعاب الغربية. كما أنه من المستحسن أن يدرب فيها الطلاب على التربية العسكرية إلى جانب هذه الألعاب.
6 ـ يجب ألا يكون اختيار الأساتذة للتدريس فيها على أساس الخبرة والكفاءة العلمية فحسب، بل يجب أن يكون أساتذتها ـ قبل كل شيء آخر ـ متحلين بصفات الصلاح والتقوى من حيث عقائدهم ومن حيث حياتهم العملية معها. كما يجب أن يختار الأساتذة من مختلف أقطار العالم الإسلامي بعد إجراء الفحص الدقيق وإعمال الرؤية البالغة، ممن لا تتوفر فيهم شرط الكفاءة العلمية فحسب، بل يكونوا قبل كل شيء آخر، مسلمين بكل معنى الكلمة من حيث عقائدهم وأفكارهم وميولهم، متمسكين بأحكام الدين غير مفتتنين بالحضارة الغربية. بل أرى كذلك من اللازم أن نكون على اطمئنان كامل وثقة وافرة بأهل بيتهم حيث لا يكونوا أحرارا من التمسك بأحكام الشريعة وآدابها ومتعدين لحدودها. وذلك أن الأساتذة إذا كانوا يسكنون في دائرة الجامعة مع زوجاتهم وهن متبرجات سافرات وترتفع من بيوتهم أصداء الأغنية الخليعة، فمن المستحيل أن يتربى الطلاب على أيديهم تربية حسنة تتفق وأغراض الإسلام السامية.
7 ـ يجب أن يربى فيها الطلاب تربية تحليهم بالصفات الآتية بوجه خاص: