تابعتين للبعثة العلمانية الفرنسية في نواكشوط أطلق عليهما اسم «إبن دادة». أما العمال فإنهم أصبحوا يقبعون شيئا فشيئا على هامش الاقتصاد الموريطاني ويحل محلهم العمال الإسبان القادمون من جزر الكناري أو السود القادمون من السينغال.
? ? ?
إن هذه الجوانب الهامة تؤكد انعدام الأسس التي تقوم عليها أو يتصور أن تقوم عليها دولة مهما كان نصيبها من التخلف ضئيلا.
ولعل بعض الناس يتهمون أن هذا الإقليم وإن كان لا يستطيع أن ينهض بسرعة نظرا للمشاكل التي تحيط به على اختلاف أشكالها ودرجاتها، فهو يتوفر على الأقل على بذور للتطور تدعو للتفاؤل، ومن بين هذه البذور التقاليد الديمقراطية التي أصبح يأخذ بها الحكم في موريطانيا.
إن أحدا لا يمكن أن ينكر ذلك ولكن الذي نريد إلا ينكره أحد أيضا هو العنت الذي تلقاه الأفكار والحريات باسم «الديمقراطية الموريطانية نفسها» ولعله مما يجب التذكير به هو الايعازات التي كانت تصدر عن المجلس التشريعي ضد الهيئات والأشخاص. ولقد أصدر هذا المجلس إلى السلطات التنفيذية - وهي فرنسية طبعا- بالعمل أثناء حوادث فبراير و 9 مارس 1961، ومن المناسب أن يسأل المرء عن أمر هذا المجلس الذي هو الرمز الوحيد للديمقراطية وكيف تطور «كيانه» في خلال هذا العام؟
يمكن أن نقول بأنه مظهر فريد في العالم من مظاهر شذوذ النظام والحكم بوجه عام، وهذا المظهر الذي يدعوه الباحثون في نظم الحكم «بالديمقراطية الضامرة» يصور لنا أوقع ما يمكن أن يضحك به حاكم على ذقون المحكومين وأقوى ما يمكن أن يتجنى به على الديمقراطية.
لقد جمع الاستعمار الفرنسي عام 1958 - إبان حكمه المباشر- خليطا من النماذج البشرية تجمعها صفتان لازمتان منذ ذلك الوقت حتى الآن وهما التملق والخيانة.
وإذا كان هذا المجلس يذكرنا بشيء من خلال مواقفه الطريفة، فهو يذكرنا بالمجلس التشريعي الذي كان السلطان عبد الحميد العثماني قد عينه في نهاية الإمبراطورية، ولم يكن يملك من الأمر إلا أن يردد العبارة التركية التي أصبحت مثلا فيما بعد وهي «أوت أفندم» أي نعم يا سيدي.
ولو كان هذا المجلس يقف عند الحد الذي يجعله فقط وجها مشوها وكاذبا ومضحكا للديمقراطية ولو كانت الطريقة التي تم بها اختيار أعضائه من بين خونة وجهلة من الموريطانيين ومن بين الفرنسيين أنفسهم، لما استوجب منا وقفة خاصة. ولكن الذي يدعونا إلى ذلك كما قلنا هو الصفة التقريبية التي شاءت إرادة الاستعمار أن يتصف بها، والدور الخطير الذي دفع ليلعبه في تقرير مصير الإقليم الموريطاني ثم الأهمية التي تعلقها دول غرب إفريقيا على التقاليد الديمقراطية، تلك التقاليد التي ورثتها موريطانيا عن اندماجها السابق في إفريقيا الغربية الفرنسية طيلة نصف قرن.
لقد كان الحرص شديدا على أن تكون كلمة المجلس هي الفاصلة في نقل سلطات الإدارة الفرنسية إلى حكومة ولد دادة، وفي إبرام الوفاق الفرنسية الموريطانية ثم في تعديل الدستور وتفضيل النظام الرئاسي، وأخيرا في المناداة بابن دادة رئيسا للجمهورية وللحكومة.
وكان المجلس يتطوع في كل مناسبة بمهاجمة المغرب واتهامه بالتوسع والتحريض الأمر الذي اتخذ منه الجيش الفرنسي سندا للقيام بجرائمه المشهورة وخاصة خلال شهر مارس الماضي كما مر بنا.
وإذا قطعنا النظر عن الكيفية التي تم بها انتخاب الأربعين نائيا وعن التوزيع التمثيلي الذي يجعل لبعض المناطق الخالية من السكان نصيب الأسد من ناحية كمية النواب، وحتى إذا سلمنا جدلا بأن كل ذلك كان صحيحا لا طعن فيه، فلا يمكن أن نتجاوز عن مشكلة هامة وهي وجود هذا المجلس كواقع حي في موريطانيا.