الشعائر الدينية كما أمر الله بها، ولا شك أن أعظم ما تركه المسلمون من أثر في تلك الأوساط الشرقية المتعطشة إلى إشباع العاطفة الدينية هو أسلوب المعاملات، وطريقة حل المعضلات والمشاكل التي تعرض لهم سواء في الميدان الاقتصادي أم في النواحي الاجتماعية الأخرى، ومن هنا يمكن أن نلخص العوامل الهامة في جلب قلوب الجماعات الإفريقية والأسيوية إلى الدين الإسلامي في عاملين أساسيين:
- أولهما هو متانة الأسس الأخلاقية والقيم الاجتماعية للدين الإسلامي.
- وثانيهما هو أهمية الناحية التطبيقية أو العملية في الإسلام وهذا لا يتم بلا شك إلا إذا صحبه حرص كبير من المستوطنين القادمين من مختلف الأطراف الإسلامية على ممارسة ما يأمر به الدين.
بالإضافة إلى ذلك كله، لابد من ملاحظة الاستعداد الكبير الذي كان يتمتع به كل من المهاجرين في تعرفهم على لغة الأهالي من جهة، ومهارة الأهالي أنفسهم في سرعة تلقي الدين الجديد من جهة أخرى.
وهكذا يمكن أن ننظر إلى هذا الأمر من جميع وجوهه فنجد أن العامل البشري هو مفتاح المشكلة، ولا شك أن انتشار دين معين على هذا الأسلوب التلقائي أمر لا يدع مجالا للشك في رقي تلك الجماعات البشرية التي تلقته عن طوع وطيب نفس، ومع ما يتوفر عليه الإسلام من بساطة ويسر في الشعائر والمراسيم، إلا أنه لا ينكر أن الشعوب الإسلامية غير العربية قد اكتفت بشيء من السطحية في تفهم الإسلام غير لان الخلافات الدينية التي نشأت وتشعبت مع مر الزمن وتطويع الأحداث قد أدت إلى صعوبة في التعرف على الأسس الهامة في الإسلام بالنسبة إلى الأجانب عن العربية، ومع ذلك فإن الذي لا شك فيه هو أن ملايين عديدة قد دخلت في هذا الدين وهو الأمر الذي لا يدع شكا أيضا في قدرته على مقاومة عوامل الضعف، وتوفره على قابلية هامة على الإقناع بشكل طبيعي، وعلى إشباع النفس الإنسانية روحا.
إن السمو الكامن في الدين الإسلامي بصفائه ووضوحه، وبساطته، وديمقراطيته، ليقابله سمو في المجموعات البشرية الهائلة التي هرعت إلى التمسك به، وإذا كانت الحضارات أساسا لا تقوم إلا على العامل البشري في الدرجة الأولى ثم تأتي العوامل الطبيعية الأخرى بعد ذلك، فإن هذا الأمر ينطبق تماما على الإسلام، الذي طغى على إرادة الأسيويين والأفارقة وانتصر أيضا على الإرادة الهدامة للمبشرين المسيحيين الذين انتشروا في جميع أقطار الأرض، ولا سيما الأراضي البكر التي أفتحتها الدول الأوربية الاستعمارية منذ القرن الثامن عشر الميلادي.
وبواسطة ذلك السمو في الإسلام، وتلك الروح الطيبة الصافية التي وجدتها في العنصر البشري بأقطار إفريقيا وأسيا، استطاع أن يضم إلى جانبه أربعمائة مليون نسمة لا يتجاوز الناطقون بالعربية منهم نحو السبعين مليونا، وعندما عقد أول مؤتمر للشباب المسلم منذ سنوات مضت، كانت الوفود الإسلامية تتقاطر من جميع نواحي المعمورة، وهنالك فقط ظهرت لنا أقليات إسلامية هامة في بلاد عديدة لم يكن أحد يتصور وجودها ولا مدى أهميتها، مثلا هناك أقليات إسلامية تعد بالملايين في الفلبين، وسيام، وسيلان وجنوب إفريقيا وشرقها وغربها، بل هنالك أقليات أيضا في جزر الترينداد بأمريكا الوسطى، إلى جانب الجماعات الكبيرة في الدول الإسلامية مثل جزر الهند الشرقية (أندونسيا) والملايو والصين وروسيا ونيجريا التي تعد من أكبر دول افريقية من حيث عدد السكان.
فهذه الأقطار العديدة من مراكز الإسلام، لم تشهد كلها حركات الدفع من غزوات وفتوح، ولا شهدت كلها أنواع الصراع الذي شهدته أقطار حوض البحر الأبيض المتوسط ووسط آسيا في العهود الأولى لانتشار الإسلام، لقد كان إسلامها تلقائيا في غالب أمره كان استجابة لميل ديني عريق بالنسبة للشعوب الشرقية.
لكن ما هي مميزات المرحلة الحاضرة من روح التلقائية هذه بالنسبة لانتشار الإسلام؟ ما هي متطلبات الدعوة الإسلامية في عصرنا الحاضر لكي تواصل سيرها المعتاد؟ ثم هل الإسلام لا يزال في إمكانه أن ينتشر تلقائيا؟ أم تراه توقف بعض الشيء؟.
هنا يجب أن ننظر، لنتلقى الجواب الصحيح بقدر الإمكان، إلى العراقيل التي واجهتها الدعوة الإسلامية سواء في داخل الأقطار الإسلامية أم خارجها، وقبل ذلك نذكر أن عالما مسلما من المهتمين بهذه الشؤون قد أكد منذ ست سنوات بأن الإحصائيات توضح حقيقة هامة وهي أن الإسلام قد عرف في مجاهل إفريقيا على الخصوص توقفا في انتشاره، وأن أسباب ذلك يرجع بدون أدنى ريب إلى أن الحركات المسيحية التبشيرية قد نجحت إلى حد بعيد في تحويل اتجاه عدد غفير من الأفارقة إلى المسيحية: وهذا سبب مباشر في توقف الإسلام أو في ضعف حركة انتشاره، إلا أن هذا الأمر يعد في الواقع من أهم أهداف المسيحية منذ أقدم العصور الإسلامية أي منذ أن دخلت في صراعها ضد الإسلام، ولقد أدى هذا الصراع نفسه إلى السيطرة على العالم الإسلامي من طرف المسيحية منذ منتصف القرن الثامن عشر