دعوة الحق، س.5، ع3 /نونبر 1961 .................... ص 7
التلقائية في انتشار الإسلام
للأستاذ: رشيد نجار
عرف الإسلام في القرون الوسطى، وطوال عصور الحضارة الإسلامية، حركة انتشار وتوسع ذات طابع تلقائي محض، فالمعروف أن حركات الغزو الإسلامي في آسيا وإفريقيا قد توقفت منذ القرن الثاني تقريبا، وكانت الدولة الأموية على عهد قادتها العسكريين العظام مثل مسلمة بن عبد الملك وموسى بن نصير وغيرهما قد سجلت أعظم الانتصارات في الواجهات الشرقية وما وراء النهرين، أما في الغرب فقد بلغت الطلائع الإسلامية إلى إسبانيا وسيطرت على الساحل الإفريقي حتى المحيط الأطلسي. وهكذا توقفت الجهود العربية في فتح العالم القديم عند هذه الحدود، ولاشك أن الصحراء الإفريقية التي كانت عائقا كبيرا للمواصلات آنذاك قد حالت دون مواصلة الزحف الإسلامي إلى الجنوب بينما وقف المحيط الأطلسي من جهة، والهندي من جهة أخرى عقبة دون ذلك الامتداد أيضا.
ومن الممكن أن يعد القرن الثاني والثالث للهجرة عهد صراع بين الدولة الإسلامية وبين المسيحية أي ضد الإمبراطورية البيزنطية في الشرق، وضد اسبانيا المسيحية في الغرب وظل ذلك الصراع محدودا في هاتين المنطقتين فترة طويلة تطورت خلالها المعارك حتى ظهرت الحملات الصليبية وما أتت به من كوارث على المسلمين إلى جانب ما حققوه من انتصارات، لكن هذا الصراع قد انتهى بالنصر الحاسم الذي أحرزه بنو عثمان في آسيا الصغرى، بينما كانت المسيحية قد سجلت انتصارها الكبير في الأندلس ضد الإسلام في الغرب على إثر تخاذل المسلمين هناك، فأفل نجم الحضارة الإسلامية الغربية التي بلغت أوج عظمتها ولمعت لآخر مرة في القرن الثامن الهجري، وهكذا لم يكتب للإسلام أن يحقق حلما جميلا. كان من الممكن أن يسيطر تماما على بحيرة الأبيض المتوسط، ذلك الحلم هو تحقيق الاتصال بين طرفي الإسلام في الشرق والغرب عن طريق أوربا.
لكن العجيب حقا، هو أن الإسلام قد حقق معجزة أخرى بدون سيف، هي أعظم مما عجز عن تحقيقه بواسطة الحروب والغزوات، ذلك أن الصحراء الإفريقية وصحراء آسيا والمحيط الهندي نفسه، قد وقفت أمام الزحف الإسلامي حقا، ولكن ذلك كان إلى حين، فالذي حدث هو أن المسلمين قد أخذوا يجوبون الأقطار النائية في آسيا وإفريقيا باحثين عن مصادر الثروة والغنى بطريق المتاجرة، وهذه ظاهرة اجتماعية كانت تتكرر في كثير من مراحل تاريخ العالم القديم، فكلما نهض شعب وبني صرح حضارة شامخة إلا ونشطت حركة المغامرة في أبنائه، تلك المغامرة التي تدفع بهم إلى الهجرة والارتحال في سبيل المتاجرة، فهذا ما كان من أمر الأسبان مثلا أثر ازدهار حضارتهم في بداية النهضة الأوربية، وهم وإن كان هدفهم البحث عن الذهب في مناجمه العظيمة بالعالم الجديد الذي اكتشفوه، إلا أنهم كانوا على كل حال طالبي ثروة عن طريق الارتحال.
لكن المهم في رحلات المسلمين ليس هو الثروة، بل لقد أصبحت رحلاتهم هذه حركة انتشار واسعة النطاق للإسلام بكيفية تلقائية، فهذا الدين الحنيف لم يعرف أبدا أسلوبا من أساليب الدعاية أو التبشير الذي اتخذته المسيحية منهجا، إنما انتقال الإسلام إلى المحيط الهندي، وإلى المحيط الهادي كان تسربا هادئا سليما، كان الناس هنالك يتلقونه عن رغبة واقتناع بمجرد الاتصال بالقادمين أليهم من تجار المسلمين، والذي لا شك فيه هو أن أولئك التجار لم يكونوا يعيشون في بلاد الغربة عيشة عادية، بل كانوا يعتزون أشد الاعتزاز بهذه العقيدة ويمارسون