الحلوي أني عندما أحس في أعماق بضرورة التحليق في أجواء لا منظورة لا أتصور إلا شيئا واحد وهو الاستجابة لما يضطرب في أغوار ذاتيتي دون اعتبار لغيري وكثيرا ما سخرت من أولئك الذين يريدون أن يلزموا الشاعر اتجاها ما ..
أما قصيدة إننا أخوان فلها قصة خاصة ما كنت في حاجة لذكرها لولا تعليق الحلوي، أما القصة فهي أن القصيدة قيلت في سنة 1956 وأنا يومئذ باتوات حيث تعرضت لاختبارات قاسية من لدن الحاكم الفرنسي الذي كان يحاول التأثير علي بواسطة النظام الطبقي الذي ما يزال مطبقا دقيقا وبمعناه الجاهلي في تلك الربوع بفضل الوجود الفرنسي، فلقد حاول الحاكم الفرنسي أن يقنعني بوجود فوارق دينية وجنسية في الأصول والجذور فلم أشعر إلا وأنا اردد في نفسي مطلع قصيدة أننا إخوان:
«يا أخي إنني وأنت على رغم الديانات في الدنى أخوان»
وتشاء الأقدار أن تندلع الثورة في الجزائر، وأن تحدث أحداث الكونغو وأن تعود الصورة القاتمة الجاهمة التي ارتسمت في مخيلتي منذ 1956 فإذا بي أندفع للبحث عن القيام بأي شيء قد يهدئ من أعصابي الثائرة ضد الاستعمار والحروب وويلاتها، فأعود إلى نفس استلهمها وإلى أوراقي اختبرها فأجد من بينها هذه القطعة التي لم تكن ساعتئذ أخذت صورتها النهائية التي نشرت بها .. هذه ثانية. أما الثالثة فهي أن الأستاذ الحلوي وقد قر في ذهنه أن شعره مما يستحق المعارضة أو الدراسة تخيل تبعا لذلك ولمجرد ورود أبيات في قصيدتي قد تكون وردت في قصيدته أن كانت له قصيدة إذ ما أزال اكرر أني لم أقرأ أي شعر في الموضوع لا له ولا لغيره، تخيل أني استوحيت قصيدتي من شيء يسميه قصيدته، وكانت رسالة النقد النزية تقضي بتتبع قصيدتي بيتا بيتا ومقطعا مقطعا ولو أنه فعل لأمن بأني في واد لا وجود فيه لغير ذاتيتي بمعناها الضيق الخاص.
وأما الرابعة فهي أن الشعر في نظري سبحات خيالية ينتقل فيها الشاعر من محيطه المحسوس إلى عوالم ما وراء المادة وقد يتخطى حتى ما أصطلح عليه عامة الناس من أنه سام ونبيل، واعتقد - والواقع يؤيدني- أن لدى الإنسان منطقتين اثنتين: منطقة القلب، ومنطقة العقل، والشعر لا يصدر إلا عن منطقة القلب حين يتعلق الأمر بالعواطف والأحاسيس ولذلك اعتقد أن الأستاذ الحلوي قد اختلطت في ذهنه المفاهيم حين اعتقد أن أحاديثي التوجيهية في الإذاعة المحلية بفاس كان يجب أن تصدر من معين واحد ومن نفس المعين الذي تصدر منه قصائدي الإنسانية والعاطفية، فإن من أبسط القواعد الأصولية أن الواحد بالشخص له جهتان بل جهات كما يقولون، وإذا كان قد غابت هذه القاعدة عن ذهن الحلوي لأنها ترجع إلى علوم لم يسبق له أن درسها إذ حرمته منها النظام الدراسي في جامعة القرويين الذي يقضي بأن يحرم خريجو القسم الأدبي من علم العلقيات والأصول فإن التواتي يومن بأنه في ميدان البحوث العملية هو غيره في ميادين النشاط العاطفي ..
وأما عن القومية العربية التي حلا للأستاذ الحلوي أن يقحمها في تعليقه على قصيدتي أننا أخوان فإني جد فخور أن أؤكد براءتي من كل قومية سوى الإسلام الذي يكفر بالقوميات الضيقة في حدود مفاهيم الأستاذ الحلوي الذي يريد أن يتملق قراءه حين يستفز فيهم هذه الثغرة التي أعدها من مخلفات ورواسب الاستعمار الغربي، أما أنا من جهتي فإني أعلنها صرخة مدوية بأن من الأسباب التي جعلت العالم العربي يتخبط في عديد من أزماته الداخلية والخارجية هذه الدعوة الجاهلية إلى القومية العربية دون الدعوة إلى القومية الإسلامية - من باب المشاكلة- والأستاذ الحلوي معي لا يستطيع أن ينكر أن الإنسان بدون ماضيه لا يمكن أن يكون شيئا مذكورا، فما القومية العربية قبل الإسلام؟ وما أنا والحلوي لولا الإسلام فله رأيه الخاص.
وأما عن نقد الأستاذ الحلوي للناحية الشكلية والفنية في القصيد فليسمح لي إذا قلت له أني ما اعتبرته يوما شخصية لها وزنها في ميدان النقد الأدبي وكم يعجبني في هذا الموضوع كلمة قالها المغفور له الدكتور زكي مبارك للمغفور له أحمد أمين في إحدى مقالاته المنشورة في رسالة أحمد حسن الزيات تحت عنوان جناية أحمد أمين على الأدب العربي قال ( .. فأحمد أمين ليس بكاتب ولا أديب وأن سود الملايين من الصفحات) أقول لمحمد الحلوي ليس بشاعر وأن قلد قصائد المتنبي وأبي تمام والبحتري ..
وأخيرا أرجو أن يومن الحلوي بأني في شعري لا أصدر عن عاطفتي الخاصة وإذا كان أراد أن يستثير اهتمامي بشعره من هذه الناحية فليطمئن إلى أني لن أجد وقتا لمطالعة ترهات الآخرين لأني في هذا الميدان لا أغادر برجي العاجي، وليقبل مني الأستاذ الحلوي وأنا أودعه أسمى عواطفي لاهتمامه بقراءة إنتاجي .. وإلى اللقاء والسلام.