دعوة الحق، س.5، ع2 /نوفبر 1961 .................... ص 83
مناقشات: حول قصيدة: إننا أخوان
للأستاذ: عبد الكريم التواتي
(*) نشرت مجلة دعوة الحق في عددها الأول من سنتها الخامسة تعليقا للأستاذ الحلوي حول قصيدتي إننا أخوان، وقد هالني أن أقرأ ما كتبه الحلوي وفي ذلك الأسلوب البعيد عن اللياقة الأدبية، لهذا وجدتني مضطرا للتعقيب على تعليقه في إيجاز، على أمل متابعة المناقشة إذا كان الأستاذ الحلوي مع القراء قد يستغربون إذا صدرت تعقيبي بحقيقة اعتبرها بسيطة بساطة جمع الواحد مع الاثنين، وقد لا يصدقها الذين يعرفونني ويعرفون مدى فحصي وانتقادي لكل شيء يحيط بي من قريب أو بعيد، أما هذه الحقيقة فهي أني لم أقرأ في حياتي الأدبية كلها من بدايتها إلى نهايتها الحالية أي شعر أو قصيد مما ينشر في المجلات والصحف المغربية سوى ما انشره أنا بالطبع، وما اذكر أني أعجبت بأي شاعر مغربي إذا استثنيت الصباغ ومحمد الطنجاوي اللذين اعتبرهما -ومن خلال ما أسمع لهما- مدرسة قائمة على أسس حية من الواقع الأدبي الذي يجب أن نحياه تبعا لتطور الإنسان وطفراته، أما الحلوى بالخصوص فإني لا أعتبر شعره إلا صورة طبق الأصل لما لاكه المتنبي و أبو تمام والبحتري مع احترامي لهؤلاء الأقطاب، ولعل الحلوى وقد أعتاد أن يجتر ما قاله الأولون بأبي أن يصدق أن هناك من لا يفعل فعله .. هذه واحدة .. وبهذه المناسبة أحب أن أقرر حقيقة أخرى أومن بها أنا إلى حد الهوس، تلك هي أن الشعر العاطفي والإنساني ليس أنتاجا مستوحي من رواسب إنتاج الآخرين كما أنه ليس تعبيرا لما عليه الآخرون أو لما يريدونه ولكنه في نظري تعبير صادق حي عما يحسه الشاعر في أعماقه ويجده في أغواره ويومن به على أنه الحقيقة الأزلية التي وجد الإنسان على الأرض من أجلها وأنها المثل الأعلى الذي يجب أن يسوق الناس سوقا ويحملهم عليه حملا مستعينا بأغانيه الساحرة على توجيه الناس هذه الوجهة التي استوحاها من صميم واقعه الداخلي، وما كان ليخطر ببالي أبدا أن من المعقول أن يحصر الشاعر كل أحساساتته وخلجاته فيما يسميه الآخرون الشعر الواقعي أو شعر متطلبات الحياة المادية المحضة، لأن الشاعر في هذا الوضع يفقد أسمى خصائصه وأبرز مقوماته التي هي الانطلاق في أجواء لا يدرك كنهها الا من هم في مستواه الشعوري .. وأنا وإن كنت شعبيا لحما ودما ونشأة وبكل ما تحمله كلمة الشعبية من معان اتجاها وميولا ونزعات، إلا أنني في الناحية الشعرية أرى من واجبي أن أخلق لنفسي جوا خاصا لا أريد أبدا أن أخضع فيه لغيري لا من قريب ولا من بعيد، ولذلك فللأستاذ الحلوي أن يطمئن إلى أني لم ولن أقرأ أي إنتاج لغيري، هكذا خلقت وهكذا سأبقى، بقي شيء واحد لابد من أن اهمس به في إذن الحلوي وهو أن الظروف والأحداث ومختلف التيارات الإنسانية والحضارية التي يشاهدها عالمنا الحاضر حق مشاع بين جميع الذين يكونون المجموعة البشرية، ولهذا فليس من المعقول في شيء أن لا يخطر ببال هذه الأحاسيس قد مرت بتجربة الحلوي الشيء الذي يجعل هذا الرجل بعيدا عن الاستجابة لدواعي الحياة الشاملة، لكل هذا أرى أنه لا معنى لأن يستغرب الشاعر الحلوي من أن يرى غيره يتطرق إلى موضوع قد يكون طرقه هو أن صحت ادعاءاته، وأقول للشاعر
(*) الآراء التي ترد في ركن المناقشات كغيرها من الآراء التي ترد في أي ركن آخر لا تلزم سوى أصحابها، ولما كنا نحرص على أن تكون تجربة النقد الأدبي في المغرب ناجحة وبناءة فإننا نهيب بكتابنا أن يلتزموا حدود الجدية والموضوعية ويتجنبوا كل مس بشعور الآخرين، وأن يكون رائدهم في كتاباتهم ومناقشاتهم الحقيقة، والحقيقة وحدها.
«دعوة الحق»