دعوة الحق، س.5، ع2 /نوفبر 1961 .................... ص 53
الأدب الهجين
للأستاذ: رابح منصر
أنعقد أخيرا مؤتمر في الرباط أطلق عليه اسم (مؤتمر المغرب العربي) وقد أثيرت في هذا المؤتمر عدة قضايا أدبية، وقيل إن أهم قضية كانت موضع بحث وجدال عنيفين بين الأدباء المؤتمرين هي قضية الأدب الذي أنتجه كتاب في المغرب العربي باللغة الفرنسية، وتساءل البعض هل هو أدب عربي يمكن إضافته إلى تراث الأمة العربية، بما تعنيه كلمة (الإضافة) من دلالات ومعاني، ما دام صادرا عن رجال لا يشك أبدا في كونهم من الأمة العربية وإليها، وأن أعوزهم في ذلك التعبير بلسانها لأسباب وظروف لا يسألون عنها، أن مجرد كون لغة التعبير أجنبية عن الأمة العربية، يجعل هذا النوع من الأدب وأن صدر عن أدباء عرب غير جدير بأن ينسب إلى التراث العربي الأدبي.
عند إثارة هذه القضية، ذهب فريق إلى القول بأن أداة التعبير في عالم الفن ليست بذات قيمة، يستوي في ذلك أن تكون الفرنسية أو العربية أو حتى الصينية، ما دام المحتوى للعمل الفني يعني مضمونا اجتماعيا في إطار قومي خاص، أي أن الأدب الذي كتبه الأدباء الجزائريون بالفرنسية والذي هو انعكاسات معبرة عاشها الأديب الجزائري في محيطه الجزائري الخاص هو أدب جزائري وأن جاء في شكله التعبيري فرنسيا، وأن هذا المظهر، مظهر التعبير لا يعيبه، ولا ينقص من جزائريته في شيء، يكفي في الدلالة على ذلك أن نعود لأية قصة لكاتب جزائري أتخذ الفرنسية كأداة للتعبير عن ذات نفسه لنتبين مدى الأصالة الجزائرية التي يتوفر عليها هذا الأدب فإبطال القصة بظروفهم، بصراعهم الدائم، بمحيطهم المكاني، صور حية لواقع جزائري حافل بالنماذج الإنسانية حالت بينها ظروف القهر الاستعماري دون التعبير عن ذات وجودها بلغتها القومية، فانطلقت أو انطلق المؤلف بلغة القاهر المستبد، هذا المؤلف القلق الذي التجأ إلى الاستعارة، استعارة أداة التعبير، لأن لغته القومية هي الأخرى هدف كأبطال قصته لتسلط استعماري لم يفسح لها مجال النمو والتطور، ومن ثمة التعبير عن واقع الحياة، فظلت سجينة ليس لها أن تؤدي وظيفتها الاجتماعية إلا في حدود التخاطب وحتى في هذا المجال الضيق المحدود واجهت حربا قل أن يجد لها المرء نظيرا في التاريخ قديمه وحديثه.
هذه وجهة نظر ولكنها قابلة للأخذ والرد، فالأدب كما حدده الأديب الانجليز هـ. لورانس: «هو تعبير عن حياة الأمة أو الجماعة، الفكرية والعاطفية، وعن ظروف حياتها الاجتماعية» أي أن وظيفة الأدب هي عكس شتى المظاهر الحياتية للجماعة الإنسانية، وعلى ضوء هذا التحديد نطرح السؤال التالي: هل أن الأدب الجزائري الذي كتب بالفرنسية هو تعبير صادق عن حياة الشعب الجزائري الفكرية، ومرآة عاكسة لظرف حياته الاجتماعية السياسية؟
هنا المسألة كما يقول شكسبير، ذلك أنه من العسير التأكيد لأول وهلة بأن هذا الإنتاج الجزائري الهجين على قلته هو في مجموعه مرآة عاكسة لفترة ذهنية معينة من حياة الشعب الجزائري، وذلك لسبب بسيط هو أن أغلبية القراء في الشعب الجزائري ليس لديها إلمام كاف بأن هناك إنتاجا أدبيا جزائريا يتجاوب مع مشاغل حياتها الراهنة، بحيث تجد فيه صورا حية لواقع حياتها المؤلم.
ومن هنا انعدمت الصلة بين الأديب الجزائري الذي استعار الفرنسية وبين جمهور القراء الجزائريين، وهكذا يتضح أنه ما دامت الصلة بين الكتاب والقارئ الجزائريين غير قائمة، فلا يتصور إطلاقا وجود أي نوع من أنواع التأثر أو التأثير إطلاقا، وغير خاف أن العنصر البارز الذي يضفي على الإنتاج الأدبي طابعا قوميا هو قدرته على التأثير في محيطه القومي، وإذا أنعدم هذا العنصر أصبح الأديب الذي لا يتوفر