تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القليلة العدد - المنحدرة في الأصل من أحدى قبائل اليمن الراحل بجنوب شبه الجزيرة العربية- صحبها في ذلك الوقت مهاجرا بها من مسقط رأسه في مدينة (أور Ur) في جنوب العراق شرقي الفرات عبر الهلال الخصيب متوجها إلى أرض كنعان (فلسطين). وكان ذلك في عصر أمتاز بالهجرات المتعددة للقبائل والشعوب .. أيام الدولة الوسطى الملكية بمصر (العائلة الفرعونية الحادية عشرة).

وكان دفع القبائل المهاجرة والشعوب بعضها لبعض في منطقة الهلال الخصيب والشرق الأدنى عموما يهدد وأدي النيل .. لهذا استطاع فراعنة الأسرتين الثانية عشر والثالثة عشر حوالي عام 1900 - 1800 قبل الميلاد، إيقاف سيل الهجرات نحو مصر تحت ضغط الموجات المتتالية من الحيثيين والكاشيين التي تدفقت على الهلال الخصيب من هضاب أسيا والأناضول ..

ولكن مصر لم تستطع بعد زوال الدولة الوسطى وبالتالي زوال استقلالها أن توقف سيل هذه الهجرة إليها خاصة بعد بدء الاضمحلال الثاني الذي أصابها وقتئذ اثر غزو الهكسوس لها الذي استمر من عام 1850 - 1710 قبل الميلاد .. اضطربت فيها أحوال مصر وتمزقت .. ودام هذا الاضطراب وهذا التمزق بعد خروجهم وقتا ليس بالقليل.

ويعتقد معظم المؤرخين أن هؤلاء الهكسوس ليسوا جنسا واحدا. لهم خليط من سكان قدموا من هضاب أسيا الصغرى وكانوا يجذبون معهم العبرانيين من سكان أرض كنعان العربية في اتجاههم لغزو مصر. كشأن العبرانيين دائما في كل زمان ومكان في ملاحقة زحف الغزاة والمستعمرين بقصد استغلال الشعوب المغلوبة على أرمها ..

كانت اضطرابات هذه الهجرات الجارفة للقبائل والشعوب في منطقة الشرق الأوسط .. لا يعطي أحداها الفرصة لكثير من هذه الشعوب والقبائل للاستقرار بسبب العوامل الاقتصادية .. وسعي هذه القبائل الدائم وراء القوت. وهي حقيقة تاريخية أكدها القرءان الكريم .. كما أكد أن يوسف الصديق سبط إبراهيم قد نال حظوة كبرى في بلاط الهكسوس والأجانب، الذين كانوا يحكمون مصر قسرا في ذلك الوقت .. أو بمعنة أدق .. كانوا يحكمون منها جزءا صغيرا في دلنا النيل .. الأمر الذي أتاح ليعقوب - إسرائيل نفسه- وبنيه -بني إسرائيل- الإسراع لانتهاز الفرصة المواتية للهجرة إلى مصر المحتلة .. والحصول على أرفع المناصب وأرغد ألوان الحياة في خدمة الحكومة الأجنبية المتسلطة على شعب مصر .. وأوضح القرآن الكريم بكل دقة أن ذلك قد تم لهم هربا من ضغط الشعوب المهاجرة من قبل إلى كنعان مما سبب هناك -أي في فلسطين- المجاعة، وكان من نتيجة ذلك تكاثر عدد بني إسرائيل في مصر- رغم استعبادهم فيها بعد ذلك- وزيادة ثروتهم بقدر ازدياد طمعهم في خيرات مصر واستغلالها أسوأ استغلال أدى بهم آخر الأمر إلى استرقاقهم واضطهادهم وتعذيبهم ..

ومما لاحظه علماء التاريخ والأجناس أن اليهود في جميع العصور كان عددهم يتضاعف ويكثر تناسلهم كلما زاد اضطهادهم وتعذيبهم.

وإبراهيم كان من أعظم الأنبياء والمرسلين تجوالا، فكان بذلك رحالة كبيرا: انتقل من (أور) - أو المقير كما هو أسمها حاليا في العراق الحديث- إلى (نيتوى) في شمال العراق.

وكان أبو إبراهيم نحاتا يصنع التماثيل والأصنام في (أور) ويعبدها مع قومه فاختلف إبراهيم معهم وثار عليهم داعيا إلى عبادة الله وحده فغضب عليه قومه وتبرأ منه أبوه وأسلمه إلى السلطات التي حكمت عليه بالموت حرقا كعادتها المتبعة مع الخارجين على الدين الوثني والقانون والدولة في تلك الأيام ..

ونجا إبراهيم من الموت حرقا بمعجزة .. ففر هو وبعض أهل بيته من (أور) في الجنوب إلى (نينوى) في الشمال حيث تزوج هناك زوجته الأولى العاقر ساره. (ونينوى هي الآن مدينة الموصل بالعراق).

ولم يلبث إبراهيم أن هاجر من جديد مع موجات الهجرات المتدفقة على الهلال الخصيب إلى بعلبك في شمال لبنان ومنها إلى أورشليم (القدس) ثم إلى شبه جزية سيناء في طريقه إلى مصر.

وفي مصر تزوج إبراهيم بمصرية هي زوجته الثانية (هاجر) ثم هاجر من جديد عائدا إلى أرض كنعان العربية (فلسطين) حيث عاش في مشارف الشام حياة ناعمة كانت تجري رغدا إلى أن أكلت الغيرة قلب زوجته الأولى العاقر (سارة) بمولد ابنه

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٨١