ثم بدت تباشير الصباح، ودب الوعي في العظام النخرة، وهب شيوخ مخلصون، ينادون بالإصلاح الشامل، وبالإسراع في الخطى، وبحمل مشعل العلم والتطور، لينير للأجيال الصاعدة كما كان في الماضي البعيد، ولكن البقية الباقية من آثار المستعمر البغيض أوحت إلى أولي الأمر بالتريث، وبتكتيل الجهود للقضاء على آخر أثر له، وقد كان ..
***
فنحن الآن نتصرف بوحي من ضمائرنا، ومن مصالحنا، لا يملي علينا أحد رأيه، ولا يفرض علينا إرادته، تسيطر علينا قوة من أنفسنا، فلقد مضى وولى عهد الظلام ولن يعود، وظهرت جامعاتنا العتيقة بجلالها وبهائها على مسرح الحياة، تريد أن تأخذ مكانها، تطلب الإسراع والتقدم والالتحاق بالقافلة، مع الاحتفاظ بطابعها ومكانتها، ولقد كثر الاهتمام بأمر هذه الجامعات، وأصبح الواجب يحتم علينا أن نختار لها طريقا يعيد إليها مجدها وعزها، فتحمل المسؤولية كاملة كما كانت من قبل.
وليس من طبيعة ديننا الاقتصار على الروحية وحدها، فلقد جمع بينها وبين المادية التي تصلح للمرء في معاشه ومعاده، وجمعت جامعاتنا الإسلامية بين هذا وذلك، وذكر المؤرخون أن الطب والرياضة والتنجيم والجغرافيا والتاريخ كانت ضمن العلوم التي تدرسها تلك الجامعات.
«زار الرحالة البلجيكي (كليتار) فاس مدينة العلم والنور عام 948هـ، وتحدث عن جامعتها الخالدة، واسترسل في الحديث عن أساتذتها وطلابها، ثم تطرق إلى الحديث عن العلوم التي تدرس بها في ذلك الوقت، فزيادة على العلوم الدينية وفروعها، والعربية ببلاغتها ومنطقها وفقهها، كان يدرس الطب وأنواع الرياضيات والجغرافيا والتاريخ».
وعلماؤنا معروفون في العالم اجمع، وآلاف المخطوطات تشهد بهذا الفضل العظيم.
***
فالأساس إذاً في حياتنا الفكرية والعلمية موجود، ولا يصح لنا أن نتلون بلون آخر من أنواع الثقافات، ولا أن ندع شخصيتنا تتحلل في غيرها، متعللين بعلل واهية كبيت العنكبوت، مستمدة من الضعف والقصور -أحيانا- في التفكير السليم فنظهر أمام العالم في صورة مهزوزة هزيلة.
وإذا كنا قد تأخرنا قليلا عن التكامل العلمي والثقافي، فلن يمنعنا ذلك من الاستفادة بما وصل إليه الشرق والغرب مع الاحتفاظ بلغتنا وقوميتنا فنعض عليهما بالنواجذ.
***
إن أول خطوة يجب البدء فيها هي العمل على توحيد مرحلة التعليم الابتدائي والثانوي فلا يكون هناك تعليم ديني وآخر مدني، ولا غير ذلك من الأنواع التي تشتت الجمع وتنوع الاتجاه، وتزيد من الخلافات، بل تدمج هذه الأنواع في إطار تعليم عام، يجعل نواة لتعليم عربي شامل، يعنى فيه بمادة الدين عناية مستمدة من تقاليدنا وتراثنا، فتكون مادة أساسية يمتحن فيها الطالب امتحانا تحريريا وشفويا، وتعطي أهمية للتوجيه الديني، حتى نبتعد بأبنائنا عن الانحرافات، وخاصة في طور المراهقة، فنتجنب الجنوح الذي وقع فيه صبيان وشباب الدول التي قطعت شوطا بعيدا في الميدان الثقافي، وأفلس علماء التربية والنفس في معالجة هؤلاء الصغار معالجة كاملة، فرصدت المليارات لهذا الغرض، حتى يتجنبوا الهوة السحيقة التي يتردى فيها الشباب، وتوجيهنا الديني فيه من الرصانة والقوة والمقدرة ما يقضى على هذا الانحلال.
وكذلك تجب العناية الكاملة بلغتنا القومية، واختيار الكتب النافعة المفيدة، ويكون ذلك بالاطلاع على التغيير المنهجي الذي يطرأ كل عام جريا في البحث عن كيفية الاستفادة الصحيحة من اللغة، وخاصة في البلاد التي قطعت شوطا في التبسيط وحذف الزائد، ولا يصح أن نقف مكتوفي الأيدي أمام كتاب كالنحو الواضح، كتاب جفت قواعده، وسمجت طريقته، فلا هو قديم فيحمد، ولا جديد فيفيد فائدة كاملة، لقد كان هذا الكتاب يدرس في الشرق منذ أكثر من ربع قرن، وظهرت بعده كتب عديدة جديدة في مادتها وطريقتها أدعى لأن تؤخذ بعين الاعتبار، فلقد أصبحت القواعد - وخاصة مرحلة التكوين الأولى تدرس على أنها وسيلة لا غاية.