تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من خلال ذلك كله يتضح أن المعتزلة عملوا في ناحيتين:

أولاهما: أنهم توسطوا بين تطرف الخوارج وتطرف الشيعة في مسألة الخلافة فخلقوا جبهة الحياد.

وثانيتهما: أنهم دافعوا عن عقائد الدين الإسلامي دفاعا يستند إلى العقل في وقت كان الدفاع عن العقيدة الإسلامية بمجرد النصوص أمرا لا غناء فيه، لأن الآراء الفلسفية والمعتقدات الدخيلة كانت قد تغلغلت في صميم الاعتقاد الشعبي مما حدا بالمعتزلة أول الأمر أن يجعلوا من أول غاياتهم تطهير فكرة التوحيد من كل تشويه قد علق بها، ثم بناء فكرة جديدة لمسألة العدل الإلهي كفيلة بأن تعيد التوازن النفسي والأخلاقي الذي كاد يقضي عليه انتشار الروح الجبرية والسلبية في المجتمع الإسلامي، ولهذا نراهم سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد، يقول الخياط في «الانتصار»: (إن المعتزلة هم وحدهم المعنيون بالتوحيد والذب عنه من بين العالمين) ومن الإنصاف لهم حقا أن نعترف بذلك، فقد دافعوا عن أقدس فكرة جاء بها الإسلام، وهي تنزيه الله تعالى عن كل تجسيد أو تشبيه، غير أن هذا الدفاع اقتضاهم أن يذهبوا بعيدا عن الفكرة التي دافعوا عنها ليعطوا مفهومات جديدة للصفات الإلهية، وليصوغوا بناء فلسفيا مستمدا من الفلسفة اليونانية يتناول قضايا عميقة كالوجود والعدم والجوهر والعرض والحركة والسكون، وهذا ما يأخذه عليهم خصومهم، أي أنهم فلسفوا عقيدة الإسلام الإلهية متأثرين «بالمشائين» فتحدوا ظاهر الآيات القرءانية أحيانا، وضيقوا من نطاق المفهوم المطلق للإرادة الإلهية من ناحية، ووسعوا من نطاق المفهوم الشائع للذات الإلهية حتى تتلاشى كل الطفيليات التي علقت بأذهان الناس عن التجسيد والتي وجدت في خضن بعض التفاسير الحرفية لآيات القرءان غذاءها وسيما عند المدرسة الحنبلية، وليان ذلك نقول: إن المعتزلة وجدوا في القرءان آيات تدل على التنزيه كل التنزيه لذات الباري تعالى: (ليس كمثله شيء) وآيات أخرى تدل في ظاهرها على التجسيم، أو بعض مقتضيات التجسيم كالجهات نحو قوله تعالى: (ثم استوي على العرش) أو قوله تعالى (فأينما تولوا فثم وجه الله) فوقفوا إزاء هذه الآيات موقفا جديدا يغير ما كان عليه السلف من الأخذ بظاهرها والإيمان بمقتضى ذلك أيمانا أجماليا والإمساك عن شرحها أو مناقشتها بل والتحرج من تأويلها، وكان مبعث ذلك عن المعتزلة أرضاء العقل، والخروج من التناقض الظاهر بين مدلول الآيات، ولم يجدوا من سبيل إلى ذلك غير التأويل فاعتبروا أن آيات التنزين هي الأساس الصحيح لعقيدة التوحيد، وأن غيرها من الآيات أنما ينبغي أن يحمل على ما هو صريخ ومجمع عليه، ومقبول في حظيرة العقل، وهكذا وضعوا تحليلا فلسفيا لفكرة التنزيه كما يتصورها العقل، أو بعبارة أخرى استقصوا بطريقة عقلية جميع مقتضيات التجسيم والتشبيه فنفوها عن الله وكان مما جاء في ذلك قولهم: (إن الله واحد ليس كمثله شيء، وليس بجسم ولا شبح ولا جئة ولا صورة، ولا جوهر ولا عرض ولا عمق، ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض، ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات، ولا تحيط به الأقدار، ولا تدركه الحواس).

والواقع أن نفي هذه الصفات على هذا النحو لم يأت اعتباطا، وإنما وضع كذلك للرد على جميع المذاهب والآراء التي كانت شائعة في القرنين الثاني والثالث عن الذات الإلهية، دخيلة من فلسفات وعقائد أجنبية عن الإسلام، فهي ترد في بعض أجزائها على الرافضة التي قالت بأن الله ذو هيئة وصورة، وله من الصفات ما تقتضيه هذه الهيئة من سكون وحركة وتنقل، وهي ترد على المشبهة التي زعمت أن الله يشبه الخلق في الإحساس والتفكير والإرادة محتجين ببعض الآيات) متمسكين بظاهرها بينما القرآن يقول (وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) وهي ترد على نظرية المثل الأفلاطونية القائلة بأن الله أنشأ الخلق على صورته، وترد أخيرا على النصارى القائلين بالاقانيم الثلاثة.

وسنعرض فيما بعد للنظريات الأساسية الكبرى التي يدور عليها محور الكلام عند المعتزلة، والتي ذهبوا في الاختلاف حولها إلى أبعد الحدود.

- يتبع-

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٥٨