تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولها: السعي وراء حل مشاكل الاختلاف بين المسلمين، ذلك الاختلاف السياسي المعروف والذي آثار اهتمام المسلمين خاصة إلى ما اعتبروه «مجرمي الأمة» كقتلة علي وعثمان، والواقع أن مجتمعا كالمجتمع العربي إذ ذاك لا مناص له من التفكير في عواقب تلك الفتن السوداء من الوجهة الدينية، وهكذا ظهرت مشكلة ارتكاب الكبيرة، فكان لأهل السنة فيها رأي، وكان للخوارج رأي ثان، وللمرجئة رأي ثالث، واستفاض الجدل حول هذه المشكلة في كل مكان، فكانت هناك حلقات يشتد فيها الجدل ويطول، وهنا نروي القصة التالية كما يذكرها المؤرخون:

(دخل احدهم على الحسن البصري وهو يدرس في مسجد بالبصرة فقال «يا أمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيديه الخوارج وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل أن العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا .. ؟» ففكر الحسن البصري وقبل أن يجيب قال وأصل بن عطاء: «أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة بين المنزلتين». ثم قام واصل بين عطاء، واعتزل إلى أسطوانة من اسطوانات المسجد، فقال الحسن البصري: «اعتزل عنا واصل» فسمي أصحابه معتزلة .. ».

ومما لا شك فيه أن القول بالمنزلة بين المنزلتين كان محاولة اتخاذ حل وسط بين رأي يجعل الكبيرة لا تخرج من الإيمان وآخر يجعلها تخرج بصاحبها من الإيمان، والواقع أن هذا الموقف لم يأت بجديد من الوجهة السياسية بقدر ما آثار من المشاكل العقلية فيما بعد.

ثانيها: التأثير بالديانات والعقائد الأجنبية، ويفسر ذلك كون المعتزلة أنفسهم تأثروا باللاهوت المسيحي خاصة أيام الدولة الأموية التي قربت المسيحيين، وقد كان من أكبر متكلمي اللاهوت المسيحي يحيي الدمشقي الذي كان يشترك مع المسلمين في المناظرات، وألف رسائل عديدة وجدت صداها في آراء المعتزلة فيما بعد، وقد كان تلميذه أبو قرة تيودور يتصل هو الآخر بأهل الكلام من المسلمين، وهذا رأي يرتكز عليه معظم المستشرقين، ونحن وإن كنا لا نلح عليه كثيرا في تعليل وجود شبه بين آراء المعتزلة وبعض آراء يحيي الدمشقي وغيره من المسيحيين، فإننا نعتبر مجرد تأثر علماء الكلام المسلمين الأول بالآراء المسيحية واليهودية مسألة ثابتة من الوجهة التاريخية والنقدية، فمسألة القول بخلق القرآن تنتهي إلى أصل يهودي كما أشار إلى ذلك أبن الأثير الخطيب البغدادي وأبن قتيبة، والواقع أنه ليس مما يتطرق إليه الشك أن المعتزلة في منشئهم تأثروا بطائفتين كانتا قد تأثرتا أو قل كانتا قد استقتا آراءهما من اللاهوت المسيحي وبعض المذاهب اليهودية، وهما القدرية والجهمية، وهما حركتان سبقتا ظهور المعتزلة أما القدرية فنفت الجبر عن الإنسان، وأثبتت للإنسان قدرة على أفعاله، وأما الجهمية نسبة إلى جهم أبن صفوان- فقد قالت بخلق القرآن وإنكار الرؤية، وقدرة العقل على الوصول إلى المعرفة دون اعتماده على الشرع.

ثالثها: الدفاع عن الدين الإسلامي، فقد شعر المعتزلة بخطورة تسرب العقائد الفاسدة، خاصة من أولئك الذين يتظاهرون بالإسلام، وهم يعملون في الخفاء على تقويضه، والقضاء على سلطانه، وهاهي كتب المعتزلة وكبار متكلميها تشهد على أنهم وقفوا حياتهم للرد على المانوية والرافضة والجبرية والدهرية وسائر المجوس، فهذا واصل بن عطاء رأسهم، تحكي عنه زوجته أنه كان يقضي ليلته بين صلاة، وكتابة للرد على دعاة الآحاد والمذاهب الضالة، وهذا أبو الهذيل العلاف يؤلف ما ينيف على ستين كتابا في الرد على المجوس، وقد يعترض معترض في هذا الباب قائلا: كيف يجتمع أن المعتزلة يدافعون عن الإسلام، وهم متأثرون بالعقائد واللاهوت المسيحي مثلا كما تقدم، والجواب أن هذا التأثر بالفلسفة اليونانية التي صيغ اللاهوت المسيحي في قالبها وسيتضح ذلك فيما يلي:

رابعا: التأثر بالفلسفة اليونانية، فأن المعتزلة لما انبروا للرد على خصومهم من ذوي الجدل أدركوا أن الاقتصار على الأدلة النقلية لا يكفي لإقناع غير المؤمنين بها، فأخذوا بالمنطق اليوناني، واضطروا لدراسة الفلسفة اليونانية والتعمق فيها، فتأثروا بها قبل غيرهم، واعتمدوا على العقل في إظهار ما في الشرع من حقائق، فكانوا أول من رادوا الطريق للتوفيق بين معطيات العقل وعقائد الدين.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٥٧