دعوة الحق، س.5، ع2 /نوفبر 1961 .................... ص 6
أكبر معمل في العالم
للدكتور تقي الدين الهلالي
-16 -
قال الأستاذ كريسي مورسن رئيس المجمع العلمي الأمريكي سابقا في ابتداء الفصل: لقد ألفت كتبا في فيزولوجية الهضم، أي علم خواص أعضاء الهضم، ولكن كل عام يمر علينا يجيئ باكتشافات جديدة مدهشة تجعل هذا الموضوع جديدا على الدوام. وإذا فكرنا في الهضم من حيث هو عمل في معمل كيماوي، وفكرنا في الطعام الذي نتغذى به على أنه مواد أولية يتكشف لنا أن ذلك عمل عجيب لأنه يهضم كل شيء يؤكل ما عدا المعدة نفسها. أولا نحن نضع في هذا المعمل أنواعا مختلفة من الأغذية على أنها مادة أولية دون أن نحسب أي حساب لذلك المعمل ولا أن نفكر كيف يعالج هضمها بطريقة كيميائية بديعة. فنحن نأكل قطع اللحم والكرنب والحبوب والسمك المقلي وندفعها إلى أسفل بأي قدر من الماء ونضيف إليها الخمر والخبز والفول. وقد نضم إلى ذلك كبريتا وعسلا أسود، دواء نأخذه في زمان الربيع. ومن بين هذا الخليط تختار المعدة الأشياء المفيدة بتحليل كل صنف إلى أجزائه الكيميائية الدقيقة دون اعتبار للفضلات، ثم تركب الباقي فتجعله (بروتينات) جديدة، و (البروتين) مادة غذائية أولية توجد في البيض والبن والجبن، وتتألف من الكربون والإدرجين والأكسجين والنترجين وبعض الكبريت)، وهذه المادة تصير غذاء للخلايا المختلفة، وتختار أداة الهضم الجير والكبريت واليود والحديد وكل مادة أخرى ضرورية، وتعتني بعدم ضياع الأجزاء الجوهرية حتى يمكن استخراج الهرمونات بأن تكون جميع الضرورات اللازمة للحياة موجودة بمقادير منظمة معدة لمواجهة كل احتياج. وهي تخزن الدهن والمواد الاحتياطية لتلافي كل حالة طارئة كالجوع القاتل، تفعل ذلك كله دون أن يشاركها الإنسان بتفكير أو رأي. ونحن نصب هذه المواد المختلفة التي لا تحصى في هذا المعمل الكيميائي بقطع النظر تقريبا عما نأكله ونشربه، معتمدين على ما نعتبره عملا سائرا من تلقاء نفسه ليحفظ علينا الحياة. وإذا تحللت هذه الأطعمة وجهزت من جديد تسلم باستمرار إلى كل خلية من الخلايا التي يتألف منها الجسم البشري وتعد بالبلايين وعددها في جسم الإنسان أكثر من عدد جميع البشر الذين يعيشون على وجه الأرض. ويجب أن يكون تقديم هذا الغذاء إلى كل خلية على حدتها باستمرار، ولا يجوز أن يقدم لأي خلية من المواد الغذائية إلا ما تحتاج إليه بخصوصها ليتحول ذلك الغذاء إلى عظام وأظفار ولحم وشعر، وكذلك العيون والأسنان كل خلية منها تتلقى غذاء خاصا. فهذا معمل كيميائي ينتج من المواد أكثر مما ينتجه أي معمل أوجده الإنسان بذكائه. وهنا نظام للتوزيع، أعظم من أي نظام عرفه العالم للنقل أو التوزيع، يسير هذا النظام في غاية الدقة والكمال. ومن الطفولة إلى أن يبلغ سن الإنسان خمسين سنة مثلا لا يصدر من هذا المعمل أي خطأ له بال مع أن المواد التي يعالجها يمكن أن تكون أكثر من مليون نوع من ذرات المادة، وإذا صارت قنوات التوزيع متكاسلة من طول الاستعمال نحس بضعف في قابليتنا ثم تأتي الشيخوخة على إثره.
وحين تأخذ كل خلية حصتها من الغذاء المذكور فإنه لا يزال غذاء مجردا. ثم يصير عمل كل خلية منحصرا في الإحراق، ومن ذلك تنشأ حرارة الجسم كله، وأنت لا تستطيع أن تحدث إحراقا بدون إيقاد، فلا بد أن توقد النار أولا، وكذلك الطبيعة بإذن الله تهيئ تركيبا كيميائيا يوقد نارا مضبوطة لأجل