تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أئمة الإسلام كأبى عبد الله الشافعي عكف على دراسة الأدب قرابة عشرين سنة يتصفح فنونه ويتعمق أسراره متلمسا من بين سطوره ما تهدف إليه فنيته الإنسانية وترمي إله طاقته الحيوية في عالم الروح والسلوك جميعا مع ما يضفيه من قدرات علمية على الابتكار والتصوير لما يجول في خلجات الضمير، ويدور في قرارة النفس من ترتيبات وأفكار لا يقوى على مصاولتها إلا من طبعت نفسه على الأدب الحر. وحذق فنون القول على اختلاف أفانينها وألوانها -ولو لم يكن من حجة لأصالة الأدب وعرافته الفنية إلا هذه العناية من أمام فذ في أمة الإسلام- لكان كافيا في خلود الفن، ووجود ذاتيته في الحقل الثقافي المغدق؛ لذا كان كل ما ألمعنا له من كم الأفواه، وخنق الحريات، وحظر الأندية والاجتماعات أيا كان نوعها، والاستهتار بالفنون خاصة الأدب الذي تمرد على أرومته أدعياء المعرفة، وألصق الهزيليون بفنيته ما ألصقوا من خرافات كانت حجر عثرة في تقدم دولته، وركود نهضته، والوقوف عقبة كأداء في طريقه -مما سبب فقرا مدقعا في الإنتاج الأدبي- وعكر جو حتى من ساعدته كفاءته الفنية على الإنتاج حسب قدرته على القول -فاعترض طريقه نقد مر أنقبع من أجله في زوايا الانعزال متندما على الظهور في ميدان القول، ومتحسرا على المشاركة بقلمه في حلبة الأدب المشاعة، والمبنية في نفس الواقع على نوعية المشكك الذي تتفاوت ألوانه أسلوبا وتفكيرا، فكان إذا على الناقد أن يؤمن بهذه الحقيقة، ويضع نصب عينيه الوسط الذي تأثر به الكاتب والمحيط الذي عاشه الأديب المغامر؛ وعلى ضوء ذلك يصوب سهام نقده كحاكم لا نراه يعدو جوهر الحقيقة، ومقياس الواقع اللذين يجعلان من المنتقد (بالفتح) رجلا مؤمنا بالواقعية البعيدة عن التأثر.

ونظري أن مجهودا فرديا كهذا (لاسيما في التأليف والكتاب) مع ندرة المنتجين يجب أن يقابل بالتحبيذ والتشجيع واتساع الصدور لحقبة محدودة يتتابع فيها الإنتاج وتغزو بضاعته وعندئذ يشعر المنتجون أنفسهم بالحاجة إلى رفع مستواهم الكتابي تحريرا وترتيبا وتركيزا للموضوعية -ومن تلقاء أنفسهم يخرجون من مضيق الإسفاف وتتكيف أقلامهم بألوان براقة ترتفع في أسلوبها إلى أوج الجدة، ووضع المعاني في قالب فني يصور ما تحسه الأعماق من جمال، وتعر به النفس من رائع الأخيلة الراقصة في قرارة الضمير.

وإذ تنبثق هذه الظاهرة في الأديب المتخلف -يكفي بالطبع عن كل ما وجه أو يوجه إليه من سهام مؤلمة قد تكون سببا قاسيا في انطوائه على نفسه وانزوائه في غرفته قابعا منكمشا.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٢٦