دعوة الحق، س.5، ع1 /نونبر1961 .................... ص 66
خواطر حول إنتاجنا الأدبي
للأستاذ عبد الله الجراري
كل من دري تاريخ المغرب لاسيما القرنين الأخيرين التاسع عشر والعشرين -يدرك لا محالة مدى المراحل التي قطعها الأدب، والأدوار التي لعبها الأدباء على اختلاف مشاربهم وألوان مستوياتهم نثرا وشعرا- فيجدهم قد تناولوا النوع القومي من الشعر الذي كان يفيض إيمانا وروحا حماسيا يذكي في قارئه مبدأ المقاومة، وتهيئ النفس للمستقبل والاستعداد للطوارئ التي أخذت سحبها تدنو من أجوائهم مطلة على الحدود في قرب يحتم على الأديب الحر أن يرفع القلم ويقولها مدوية نافذة إلى قلب الشعب الذي لا يلبث أن ينتفض مستجيبا لرسالة الأدب مؤمنا بمبادئها القائمة على الحق والصدق، رافعا راية المعركة التي خاضها أبطال القول كالوزير أبى عبد الله بن إدريس في داليته التي انفجرت عنها شاعريته المتمكنة يوم احتلال تلمسان الشقيقة المجاهدة فقالها صرخة من الأعماق:
يا ساكن الغرب الجهاد الجهاد *** فالكفر قد شارككم في البلاد
ويا أباة الضيم هل نهضة *** تسربل الكفر ثياب الحداد
إلى أن قال:
تذكروا وقعة أندلس *** وأبصروا منها سبيل الرشاد
وعلى غرار هذه الدالية الطويلة النفس المطبوعة بطابع القوة والملهبة صدور المومنين من أبناء الشعب الأباة نسج أبو عبد الله محمد غريط في نونيته ذات المطلع:
مالي أرى جفن أهل الغرب وسنانا *** من بعد ما أحذ الروم تلمسانا
إلى أن يقول:
لا عذر للمسلمين في التكاسل عن *** جهاده حسبة منهم وإيمانا
إن تنصروا الله ينصركم فلا تهنوا *** ولتخلعوا في ابتغاء النوم أرسانا
بيعوا نفوسكم واغزوا عدوكم *** كفى بصفقة من لم يغزز خسرانا
هكذا نرى الأدب يشق طرقه نحو الحقيقة التي يحتويها مضمون كلمته الخفيفة فيقوم بأداء الرسالة حسب الدواعي والبواعث التي تفرضها الظروف عليه في شتى المقامات والمناسبات بطولة وعاطفة ووصفا ومدحا وهجاء.
وما أخال هذه البواعث التي تحرك من الأديب كوامن الاندفاع نحو القول والإبداع في فنونه الإنشائية إلا عن تشجيع دولي، أو إقبال من قراء الشعب المتحمس لجذوة القول الصادق، أو ولوع نفساني، أو انتقام يتحلى في شعر الهجاء خاصة.
وطبعا يجد الأديب ابن إدريس والمغرب آنذاك حر مستقل -من مخدومه المولى عبد الرحمن محركا للقول ودافعا للتعبير عن إحساسات الدولة والشعب المشبعين بروح التضحية والحرية والانطلاق حيث لا تتسع صدورهما للاستغلال والاختناق- كما يجد بعده الأديب العربي المشرقي دافعا نفسانيا للهجاء المقذع فيرسلها فنبرة لاذعة في صدر القاضي العراقي