تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع1 /نونبر1961 .................... ص 56

واقع الثقافة المغربية

للأستاذ عبد الله كامل الكتاني

لا يستطيع أحدنا أن يطمئن إلى تلك الأحكام العادلة الظالمة التي يطلقها الأدباء والعلماء وسائر الباحثين في الثقافة المغربية والفكر المغربي، لأننا -بطبيعتنا- لا نقبل أن يكون الأدب العربي في المغربي مثلا عالة الأدب العربي في المشرق، ونثور حينما يرددون يزهو وفخر وبملء الأفواه على ملء الأسماع كلمة ابن العميد المشهور في الكتاب العربي، المغربي التأليف، المشرقي الموضوع، كتاب «العقد الفريد»: (بضاعتنا ردت إلينا).

والحقيقة أنه يحق لنا أن نثور ونغضب لهذا الذي يقال ويقال ويكرر، ولكن ثورتنا ينبغي لها أن تكون على قدر ما في هذا الحكم من عدل، لا على مقدار ما فيه من ظلم، وهكذا فإن غضبتنا ينبغي لها أن توجه وجهة إنسانية قومية، وجهة إيجابية خالية من الحماسة والاندفاع العقيمين، وجهة فيها تسامح وتنافس في العمل والإنتاج تستفيد منهما الأمة كلها، ولا يغلق الاندفاع علينا سبيل العمل المنتج الواعي.

والواقع أننا إذا قعدنا نلتمس العناصر الإيجابية لثقافتنا القديمة أو المعاصرة، لم نصل في ذلك إلى أمر ذي بال: أم ثقافتنا القديمة فقد فرغ من البحث فيها حينما دفعها ابن العميد بحكمه السابق الذكر، هذا الحكم الذي سار مع الزمن مسير الأمثال وطارت شهرته في الآفاق كما يقولون، فلننظر إلى ثقافتنا المعاصرة، وواقعها البئيس، فنجدها -في هذا الزمن الذي نعتبره زمن ثورتنا على الجمود- نجدها في حالة لا ترضي جدا.

هذه ثقافة القرويين، وهي البقية الباقية من ثقاة المغرب التقليدية التي وصمها ابن العميد بقولته المشهورة، تأخرت بمراحل عما كانت معروفة عليه أيام ابن العميد، ى والمثقفون المتخرجون منها أصبحوا في مفترق الطرق، لم ينتفعوا بالطريقة القديمة في الثقافة وإنما اقتنوا سائر ما فيها من عقم وجمود، وتركوا ما فيها من نافع مفيد، ولم تسمح لهم ظروفهم أن يعرفوا من المناهج الجديدة في الثقافة ما يسايرون به التيارات الثقافية الحديثة فيما يقابل جامعة القرويين عند غيرنا من الأقطار كالجامع الأزهر، وكلية أصول الدين في مصر، وكلية الشريعة في دمشق ...

وتلك الثقافة العصرية التي يتلقى طلابنا أسسها في مدارسنا، ثم ينطلقون منها إلى معاهد الغرب يستكملون ثقافتهم فيها، هذه الثقافة لا غبار عليها، ولا يمكن لأحد أن يجابهها بالمعارضة، ويواجه المثقفين بما بالنكير، ولكن نعارض الطريقة التي تبدو فيها هذه الثقافة في بلادنا: الناس اليوم وفي كل مكان يسعون إلى الغرب، وإلى معاهده يثقفون فيها، ولكنهم يعودون إلى بلادهم لينشروا تلك الثقافة، فيلقونها إلى شعوبهم -رغم أنها نتاج أمم غريبة عن هذه الشعوب- في ثوب وطني صريح، هذا ما عمله المثقفون في بلاد كثيرة كاليابان، وفي بلاد أخرى صغيرة كسورية الشبيهة بالمغرب عادات وتقاليد وأخلاقا إلى حد كبير.

المثقفون في بلادنا غالبيتهم من فرنسا، وبعضهم من اسبانيا، وبعض من انجلترا، وآخرون من ألمانيا، هؤلاء جميعا يدرسون ثقافات تلك البلاد المختلفة، ثم يأتوننا بتلك الثقافة دونما «تمثل».

إن المغرب في هذه الأيام يتلقى ألوانا من الثقافات الفرنسية والألمانية والاسبانية والإنجليزية بمقدار ما يدخله من متخرجين من مختلف هذه البلاد، مشكلتنا مع هؤلاء أنهم لا «يتمثلون» ما يتعلمون

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦١٤