تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المتزايدة باستخدام الآلة في جميع المجالات الممكنة، فكلاهما يدعى خلاص العالم وكلاهما يتنبأ بميلاد إنسان جديد، ومجتمع أفضل ومدنية متجددة أبدا .. ومن الواضح أنا لم نحاول أن نأتي على عرض الفلسفة الرأسمالية والماركسية، أو نقدم نقدا ومقارنة بينهما أو تأويلا وتبريرا لهما، ولكن كان قصدنا الرئيسي التقاط الموقف الإنساني من خلال إيديولوجيتهما وقيمة المدنية الحديثة في حياة الإنسان وأهمية وجود الآلة كعامل ضروري وأول إنقاذ الإنسان من لعنة «السقوط» وتحقيق العودة إلى الفردوس المفقود.

ولكن هل استطاع سيزيف أن يصعد إلى قمة الجبل وينهي مأساته العبثية؟ وهل تحققت أمنية فاوست الكبرى والشوق العارم إلى ما فيها من امتلاء وغنى؟ أن مأساة هاملت تتجدد مرة أخرى، بطلها الإنسان الحديث ومشهدها مدنية تعظم الفكر وتحس بروعة الحياة وقوة الإنسان ولكنها تحس أيضا بالغموض الرهيب يكتنف الإنسان الحديث كالبطل الأسطوري أخيل، يجهد ويجهد ولكنه لا يرى أي شيء أمام ذاته حتى السلحفاة الوئيدة المشي، بل لقد أنهك الإنسان الحديث شجرة الطبيعة بجني ثمارها قبل نضجها، أنهكها بأسطورة التقدم القائمة على السرعة الهائلة لكسب الوقت.

الإنسان الحديث إنسان مسافر Homo viator نحو نهاية يراها و يراها في ذات الوقت أو لا يود أن يراها خوفا من رهبة المصير، هو في زحمة الآخرين والأشياء عبارة عن رقم مسجل على بطاقة في ملف بجانب عدد ضخم من الملفات موضوع وضعا سيئا أو هو حرف فقط لا يحمل أية قيمة وجودية كبطل Kafka كافكا - (ك) في (القضية) التي لا يعرف فيها سبب اتهامه.

إن الطريق الثالث التي تشير إليه لوحة دييغوريفبيرا طريق رهيب غامض يلفه قلق تراجيدي يسم الإنسان والحياة والعصر الحاضر بميم الخوف، فالبرغم من الأماني التي فرشتها الإيديولوجيتان: الرأسمالية والشيوعية على دروب المدنية الحديثة، وبالرغم من الوعود الجميلة بإسعاد الإنسان فإن الإنسان المعاصر لم يعد يرى في ذلك الأماني والوعود ألا تخديرا لقلقه الوجودي يهدئ توتره الحاد.

وبعبارة أخرى إن هناك مأساة الإنسان في المدنية الحديثة تفجرت في المجتمع الغربي خالق هذه المدنية فتطايرت شظاياها في كل حركة وكل فعل وكل قول ونفذت إلى أعماق الحياة اليومية العادية، وفي هذا الصدد يرى اشبنجلر أن المأساة التي تعانيها المدنية الأوربية اليوم ليست مأساة عابرة بل هي مأساة جذرية تنبثق من أعماق الفكر وتتجلى في تحد سافر في تجليات خارجية متعددة شديدة التعقيد كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والفن والعلم والأخلاق، لقد أخذت المدنية الحديثة اليوم شكلا معكوسا في ظروفها المادية ووسائلها التقنية بالنسبة للإنسان الأوربي الحديث الذي أصبح متشككا في قيمة مدنيته عندما غدت الوسائل غايات، والكم هو المعيار لكل شيء، والآلة غاية في ذاتها، وتحكمت النزعة الآلية في كل شيء وأصبحت تسير بسرعة جنوبية فوق طريق شديد الانحدار، كما بدأ الإنسان الحديث لناظري غابرييل مارسيل مجرد ظاهرة خارجية أو حزمة من الوظائف الحيوية؛ بل إن فلسفة التاريخ الحديثة تدين المدنية الحديثة بادعائها إمكان تحقيق الكمال البشري وسعادة الإنسان إدانة فلسفية تاريخية، فجاك ماريتان يرى أن المدنية الحديثة زرعت في ضمير الإنسان قلقا اعتقاديا حادا فأعطته أساليب تجريبية ومنعت عنه فيما أخلاقية، يقول ماريتان: (لقد بحث العالم الحديث عن أشياء نبيلة بوسائل غير صالحة، لقد أضر بالبحث عن القيم الصحيحة التي أصبح من الواجب علينا الآن إنقاذها بالإدراك العقلي) وتلك القيم عي قيم مطلقة ثابتة صادرة عن النظام الرباني وهي التي تمنح الإنسان الفرصة لقياس كل شيء بدل أن يعتبر نفسه مقياس كل شيء، أما رينهولد نيبور فيعتقد أن مشهد المدنية الحديثة يعيد قصة الخطيئة الأصلية المتكررة رغم ادعائه السيطرة على عالم الأشياء، وسيأتي اليوم الذي يرتطم فيه بصخرة القدر التاريخي ويومئذ يكون (الساكن في السموات يضحك، الرب يستهزئ بهم) فجميع أنواع الشر موجودة في التاريخ البشري تؤكد وجود الخطيئة الأصلية وتكرار هذا الوجود، وهذا أرنولد توينبي يرى أن معنى التاريخ

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٠٧