تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثلاثة: طريق أصحاب المعامل ورؤوس الأموال المعتمدين على الفردية الحرة، وطريق العمال والكادحين المترقبين نهاية شقائهم بوجود الدولة الاشتراكية وزوال التفاوت الطبقي، وطريق ثالث يجسد عبث سيزيف الذي يكرر دوره الفاسد ويبرز مأساة الإنسان الحديث المتردد بين التفكير والفعل والباحث عن معنى الحياة وعن غاية لهذا الحياة يبرر لها عمله ووجوده.

هذه الطرق الثلاثة والمشاهد الثلاثة تقدم صورة واضحة للمدنية الحديثة، وتبين بالتالي موقفها من الإنسان، فلنحاول بإيجاز -أن نكشف عن ملامح هذا الموقف في مشاهده الثلاثة:

المشهد الأول مشهد الإيديولوجية الرأسمالية التي تعتمد -من الناحية الفلسفية- مذهب السعادة الذارئعية وهو مذهب أنجلوسلسوني يدعو إلى قياس الحقيقة بنجاحها العملي، ويدعي تحقيقا عمليا لما تنبأت به فلسفة فرنسيس بيكون بتوسيع سلطان الإنسان وبسط سيطرته على الطبيعة بالكشف عن قوانينها، فدور العلم هو الكشف عن هذه القوانين الطبيعية ليستخدمها الإنسان في الصناعة والفن من أجل سعادته ورفاهه، وليكون للبشر عن طريق التجربة والعلم «أكبر قدر ممكن من السعادة لأكبر عدد ممكن من الناس»، وهذه الصيغة صيغة ستوارت مل بمثابة الدستور الذي يقيم ويدعم مفهوم المدنية في المجتمع الرأسمالي الأوربي، ومنفذ هذا الدستور هو الفرد الحر يبذل جهده في سبيل سعادته وسعادة الآخرين (على قد رالإمكان)، يخترع لتحقيق هذه السعادة العلوم والفنون ويوسع نطاق رغائبه باتساع إمكان إرضائها، فالآلة توفر في جميع المجالات رفاه الإنسان بالسرعة، وإنماء فرص النفع للوصول إلى أكبر مردود ممكن عن طريق أقل النفقات المادية الممكنة .. وهكذا فإن الإيديولوجية الرأسمالية تؤمن بأن العلم والتقدم قد بلغا غايتهما -عن طريق الفرد الحر- في توحيد أساليب البحث التجريبي وأشاعا في نفس الوقت الثقة بالمستقبل، والاطمئنان إلى تفوق حضارته الحديثة على جميع الحضارات بقدرتها على توفير أسباب الحياة للإنسان.

من نتائج الإيمان بالعلم والتقدم بدا من المعقول في نظر الإيديولوجية الرأسمالية أن يرجى التقدم الخلقي والسياسي للبشر جميعهم تبعا لتقدم المعرفة، فالتقدم -كغاية هنا- أصبح واحدا من المثل العليا التي طالما حن إليها الإنسان، فكل (فرد) يستطيع استخدام ذكائه في تحسين أحواله تحسينا لا حد له وأن يقيس أعماله بمقاييس علمية أي أن الفرد بإمكانه أن يقيم سلوكه الأخلاقي والاجتماعي عن طريق التقدم الفكري المضمون بالعلم من جهة، وبالتوكيد على معنى الفردية في مجال العلاقات الاجتماعية والأخلاقية من جهة أخرى.

فالمشهد الرأسمالي ملئ بالتفاؤل مفعم بالثقة بغد المدنية الحديثة الضامنة سعادة الإنسان وخلاصه، أما المشهد الثاني أو الإيديولوجية الشيوعية فهي كذلك تؤمن بقيمة العلم كمبشر بسعادة الإنسان في ظروف المدنية الحديثة، ولكنها تختلف اختلافا شديدا مع الإيديولوجية الرأسمالية تلح على إسعاد الإنسان، الفرد، نجد الإيديولوجية الشيوعية تتشبث بالاهتمام بالإنسان -الكل- وتبرير هذا الاهتمام قائم لدى الماركسية على إلغاء التناقضات الاقتصادية والاجتماعية في العالم الحديث هذه التناقضات التي تتبدى في الصراع الطبقي، وفي الفرق الشاسع بين المالكين والمعوزين، بين المستغلين وطبقة البروليتاريا، فحلم الماركسية في نهاية التحليل هو تحقيق مجتمع بلا طبقات ينسف بؤس العالم وشقاء الإنسان، ويقضي على التناقض الاجتماعي بالقضاء على التناقض الاقتصادي أولا ويجعل المدنية الحديثة في خدمة الإنسان، فالإيديولوجية الشيوعية تزعم أنها تحمل البشرى إلى الإنسانية يبلغها حزب شيوعي ينبغي له حسب مهمته الإنسانية أن يحقق أمل الجماعات ولكن لا يتحقق هذا الأمل إلا إذا نهض الإنسان الماركسي يصارع الطبيعة ويستغلها بتحرره منها جهة ويصارع الطبقات لإزالتها من جهة أخرى بفضل التكنولوجيا والتقدم العلمي المطرد وبعبارة أخرى: أن دور المدنية الحديثة وقيمتها معا يمثلان في توجيههما توجيها ماهرا وحازما بواسطة العمل والتقنية والمعرفة العلمية من أجل الإنسان الماركسي؛ الإنسان -العامل الذي يعيد بناء الإنسان الجديد خالق المدنية الحديثة والقاضي على عوامل ضياعه الديني والأخلاقي والفلسفي (المثالي).

هذان هما المشهدان الأولان أمام الإنسان الحديث يغريانه بشعاراتهما الواعدة بالسعادة والتفاؤل في جنة المدنية الحديثة وبإرضاء رغباته

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٠٦