تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالأخص، الذي يجب أن يكون قبلة هذه المحاولات، وقاعدة انطلاقها نحو النجاح أو الإخفاق.

هذه الظاهرة السلبية هي من البروز والوضوح بمكان كبير، وتكاد تصح بما تتسم به من استمرار وإطراد العنصر الأكثر بروزا في أفقنا الاجتماعي والفكري المتخلف، ونحن إذا ما حللنا جوانب التأثير الذي تسهم به في تأييد وتركيز هذا التخلف الفكري الذي نعاني منه، فإنه سيكون في ميسورنا حينئذ أن ندرك حقيقة الأهمية البالغة التي تنطوي عليها في هذا المجال، والفاعلية الشديدة التي تتوافر لها بهذا الاعتبار، فقد يجوز أن يصبح في إمكاننا التغلب على عوامل التجمد الفكري والثقافي المنحدرة إلينا من الماضي القريب والبعيد، والمتخلفة لنا عن عصور الانتكاس والتقهقر، وقد يصبح في مستطاعنا أيضا تصفية آثار الانغلاق الفكري المحكم المنحدر إلينا من عهود الحكم الأجنبي وذلك بسبيل من السعي في إزاحة السدود والحواجز التي كان يقيمها هذا الحكم أمام تطور الفكر المغربي وتفتحه على موطنه الأصلي وعلى العالم، كما أنه قد يضحي في ميسورنا -إلى حد ما- التحكم في توجيه اهتمامات بعض المثقفين المنتجين الذين غمرتهم المسؤوليات الإدارية وغير الإدارية وانبعاث الوعي الإنتاجي لديهم، واستدراجهم إلى معاودة حياة الفكر وملاحقة قطاره، وذلك عن طريق الاهتمام بتوفير المشجعات وتيسير الوسائل، واصطناع الظروف المساعدة، وقد يجوز أيضا أن تصبح الدولة أكثر وعيا لمسؤولياتها وواجباتها نحو الفكر والأدب والفنون، فتصير أكثر استعدادا لاحتضان المشاريع الفكرية المنتجة في مختلف الميادين وأوفر اهتماما بتشجيع الأعمال والبوادر الثقافية والفنية التي يمكن أن تكون أساسا لنجاح هذه المشاريع، وواضح أن طبيعة التطور والتحول الذي يميز هذه الفترة المرحلية من حياة المغرب المعاصر سوف يتيح للمسؤولين فرصة الشعور بمسؤولياتهم في هذا المقام وقد يسوغ كذلك أن تتحرر الجامعة من محدودية النطاق الثقافي الذي تعيش فيه، وتضحي -كما يجب أن تكون- مبدأ إشعاع ثقافي قوي التأثير، مديد الأبعاد، واسع المدلول، ومنطلق تيار فكري دافق يسهم بنصيبه في تركيز الجو الفكري بالبلد، وإمداده بعناصر الخصوبة والنماء، ومن الضروري أن يتم ذلك عندما يتوافر للجامعة سائر مظاهر النمو والترعرع، وتترسخ القواعد التي تنهض عليها، ويتوافر لها جهاز تعليمي كامل التعرب، متوافر الاستعداد للخلق والإنتاج قد يجوز كل ذلك ويبدو ممكنا على الأقل من الناحية النظرية المبدئية، وعلى هذا فهل يغدو من اليسير علينا -والأمر بهذه المثابة- أن نتصور إمكانية نكث العقد التي تعترض سبيل النشاط الفكري المغربي، وتجثم بثقلها على مقدرات هذا النشاط فتخمد جدوته؟ قد يتراءى ذلك على درجة من السهولة واليسر لو كان الأمر يتعلق بمجرد الاعتماد -في تحقيق هذا التطور- على تقديم الجوائز- على تقديم الجوائز، واستحثات الهمم، وتشجيع القرائح، وغير ذلك، ولكن هل يمكن أن يجزئ ذلك في حل المشكلة الأساسية التي تتجسم في أعراض الجمهور المتعلم، وصدوره عن استهلاك ثمرات النشاط الفكري، وخاصة إذا كان يتسم ببعض الجدية في الإفادة والتوجيه وإلا فما هو مدلول رسالة الفكر والأدب في مثل هذه الحالة؟ وما هو الاعتبار الذي يجب أن يعطي لهذه الرسالة إذا لم يكن من نتائجها إيقاظ وعي الجماهير، ومساعدتها على تلمس الطريق الصحيح الذي عليها أن تسلكه نحو استكمال شروط إنسانيتها الحقيقية، واستيعاب مدلول هذه الإنسانية بما فيها من نواح فكرية ووجدانية مختلفة؟ وعلى هذا فهل هناك ما يبيح الإيمان بإمكانية جدوى الإنتاج الفكري المغربي -على افتراض انه جيد وأصيل- والوسائل التي يتأدى بها مكتوبة وملفوظة في مقاومة مظاهر التخلف الذهني والوجداني عند الجمهور، كما هو الشأن بالنسبة لبرامج الإنماء والتصنيع الموجهة لمكافحة التخلف في الميدان الاقتصادي والاجتماعي؟ وهل يتوافر على مقومات الإنتاج الجيد الأصيل.

هل تتوافر له عوامل وظروف التجاوب مع الجمهور مما يمكنه من إصابة هذه الأهداف الأساسية الضرورية؟.

تلك في الواقع مشكلة رئيسية من أبرز ما تواجهه قضية الفكر في هذا البلد من مشاكل ومعضلات، وهذه المشكلة لا تشكل -في الواقع- مجرد ظاهرة خاصة بالمغرب، فهناك -كما هو ملحوظ- كثير من الأقطار الأخرى تعاني من مثل هذه الحالة بدرجات تتفاوت في نسبة ما تكتسبه من أهمية وخطورة، بل إن رواج الآثار الفكرية في بعضها يجابه أحيانا قدرا كبيرا من المصاعب والمعرقلات الناشئة عن مظاهر الإهمال وضعف الاكتراث لهذه الآثار، وقد أصبح للقاعات السينمائية والنوادي الثقافية تأثير بالغ في مضاعفة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥٩٦