تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع1 /نونبر1961 .................... ص 37

أزمة إنتاج واستهلاك

للأستاذ المهدي البرجالي

تتفق الآراء على القول بأن المغرب يعيش أزمة فكرية بعيدة الغور، عميقة الجذور، على الرغم من أن وجودها لا يحتل أية منزلة بارزة في منطقة اهتماماتنا الوطنية الملحة، ولا يستأثر بأي جانب من اتجاهاتنا نحو الإصلاح والترميم في مختلف الميادين، ولا يماري أحد في أن استمرار هذه الأزمة وتشعب نواحيها من شأنه أن يبقى على حالة التخلف الحضاري الفكري الذي يؤثر على تطور الجوانب المعنوية من حياة الإنسان المغربي المعاصر ويحول دون توافر الشروط الضرورية لضمان انبعاث هذا الإنسان، وانطلاق إمكانياته العقلية الحبيسة وتحرر طاقاته ومقدراته الذهنية الخبيثة، ونمو استعدادته للإبداع والإنتاج في مختلف ميادين الفكر ومجالاته.

وكما تتفق وجهات النظر في تقدير حقيقة المشكل الذي تعكسه هذه الأزمة، وتقييم الخطوة التي ينطوي عليها فإن هذه الآراء أيضا لا تتباين كثيرا عندما يكون الأمر متعلقا بتقدير الأصول التي ساعدت على وجود هذا المشكل والعوامل المختلفة التي تسهم في تعقيده واستمراره.

ويمكن إيجاز هذه الأصول والعوامل فيما يلي:

1 - طبيعة الظروف الحضارية التي كانت تحيط ببلادنا في عهد ما قبل الحماية، هذه الظروف التي كانت تتميز بما كنا نعيش فيه من عزلة فكرية وثقافية بالتيارات الحضارية الحديثة التي غيرت وجه الحياة الإنسانية في كل أنحاء العالم، وقلبت الأوضاع الفكرية والاتجاهية بين ربوعه قلبا شاملا وجوهريا.

2 - الأساليب التحكمية المباشرة التي كان يلجأ إليها نظام الحماية في مقاومته لمظاهر التحرر الفكري بهذا البلد، ومحاولته تحديد مد هذا التحرر بكل الوسائل الرادعة الممكنة.

3 - نوعية المشاغل الجديدة الملحة التي انبثق عنها عهد الاستقلال .. تلك المشاغل التي استغرقت -بالفعل- اهتمام طائفة هامة من طبقة «الانتلجنسيا» المغربية واستوعبت القسط الأكبر من طاقاتها الفكرية واستعداداتها الإنتاجية المحدودة. أضف إلى ذلك:

4 - انعدام توافر أسباب التشجيع المادي الحكومي سواء على الصعيد المادي أو المعنوي.

5 - انعدام وجود الحياة الجامعية فيما قبل، ومحدودية إشعاعها الثقافي والفكري بعد أن أصبح لها وجود فعلي.

6 - انعدام الإقبال العام على شؤون الفكر والثقافة وما في بابهما وصدوف جمهرة المتعلمين عن استهلاك المحاولات الإنتاجية الضئيلة المحدودة التي تتصل بهذا المضمار.

7 - انقطاع الصلة بين ما يمكن أن يكون هناك من قراء وبين المنتجين من شعراء ورسامين وغيرهم، وانعدام أسباب التجاوب الضروري بين هؤلاء وأولئك.

هذه بعض العوامل التي -وإن لم تكن مجزئة في التدليل على معقولية الركود الفكري ببلادنا فإنها مع ذلك- وكما يرى الكثيرون -قد تلقى قليلا من الضوء على بعض موجبات هذا الركود، وتعين على إدراك نصيب من الحقائق التي هي في أساس نشوئه واستمراره بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وبالطبع فإن هذه العوامل تختلف عن بعضها البعض من حيث التأثير الذي تحدثه في هذا المجال، وباعتبار الأهمية التي يكتسيها هذا التأثير، والنتائج التي ينطوي عليها وقوعه، وإذا ما حاولنا أن ندرسها على ضوء هذا الاعتبار فإننا نلاحظ أن من أشدها مفعولا وأبعدها أثرا تلك الظاهرة الغربية التي تتمثل في انعدام أسباب التجاوب والتصادي بين أصحاب المحاولات الإنتاجية في هذا البلد، وبين الجمهور المتعلم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥٩٥