وإذا استقر الإيمان في النفس البشرية علم صاحبها أن له خالقاًً عليماً قد أحاط بكل شيء علماًً، حكيماً يهدي إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، عدْلاً لا يظلم الناس شيئاً، خبيراً بدخائل النفوس وخفاياها، وأن ما جاء من عنده هو الحق الذي لا يشوبه باطل كما قال ـ تعالى ـ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 7 - 8].
وكما قال ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ إنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32]، وكما قال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 140].
وعندئذٍ تتجلى أنوار الطريق المستقيم الذي لا تغشاه ظلمة نظرية قاصرة وفكرة بشرية محدودة، فتنجو البشرية من التخبط في ظلمات النظريات القاصرة والأفكار المشحونة بالأهواء الجائرة، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور كما قال ـ تعالى ـ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]، وكما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 16]. فيضع المؤمن رأيه متخلياً عن إعجابه وغروره برأيه معتصماً بالهدى الذي جاءه من خالقه، فيجتمع الناس على طريق واحد يعصمهم من كل زيغ وجهل وضلال.