والثاني: لا يمل من الثواب ما لم تملوا من العمل ومعنى يمل يترك لأن من مل شيئا تركه حكاهما أبو سليمان
والثالث: أن المعنى لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله فسمى فعله مللا وليس بملل ولكن لتزدوج اللفظة بأختها في اللفظ وإن خالفتها في المعنى وهذا كقوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) (البقرة 194)
وقوله: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) آل عمران 54 وقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) الشورى 40 وأنشدوا
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
والرابع: أن المعنى لا يطرحكم حتى تتركوا العمل له وتزهدوا في الرغبة إليه فلما كان الاطراح لا يكاد يقع إلا عن ملل وكان المجازى عليه هو الملل حسن أن يسمى باسمه
3 - شرح ابن بطال للبخاري (ج 1/ص 86): قال ابن قتيبة: وقوله: تمت فإن الله لا يمل حتى تملوا -، معناه لا يمل إذا مللتم.
ومثال ذلك: قولهم في الكلام: هذا الفرس لا يفتر حتى يفتر الخيل، لا يريد بذلك أنه يفتر إذا فترت الخيل، ولو كان هذا المراد ما كان له فضيلة عليها إذا فتر معها.
4 - شرح ابن بطال للبخاري (ج 5/ ص 135): وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا يمل حتى تملوا». يعنى أن الله لا يقطع المجازاة على العبادة حتى تقطعوا العمل. فأخرج اللفظ المجازاة بلفظ الفعل، لأن الملل غير جائز على الله تعالى، ولا هو من صفاته.
5 - شرح النووي على مسلم (ج 3/ ص 133) قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: (فَإِنَّ اللَّه لَا يَمَلّ حَتَّى تَمَلُّوا): هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم فِيهِمَا، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (لَا يَسْأَم حَتَّى تَسْأَمُوا) وَهُمَا بِمَعْنًى قَالَ الْعُلَمَاء: الْمَلَل وَالسَّآمَة بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارَف فِي حَقّنَا مُحَال فِي حَقِّ اللَّه تَعَالَى، فَيَجِب تَأْوِيل الْحَدِيث. قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: مَعْنَاهُ لَا يُعَامِلكُمْ مُعَامَلَة الْمَالِّ فَيَقْطَع عَنْكُمْ ثَوَابه وَجَزَاءَهُ، وَبَسَطَ فَضْله وَرَحْمَته حَتَّى تَقْطَعُوا عَمَلكُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَمَلّ إِذَا مَلَلْتُمْ، وَقَالَهُ اِبْن قُتَيْبَة وَغَيْره، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره، وَأَنْشَدُوا فِيهِ شِعْرًا. قَالُوا: وَمِثَاله قَوْلهمْ فِي الْبَلِيغ: فُلَان لَا يَنْقَطِع حَتَّى يَقْطَع خُصُومه. مَعْنَاهُ: لَا يَنْقَطِع إِذَا اِنْقَطَعَ خُصُومه، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ يَنْقَطِع إِذَا اِنْقَطَعَ خُصُومه لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْل عَلَى غَيْره، وَفِي هَذَا الْحَدِيث كَمَال شَفَقَته