4. الربع الرابع من سورة يوسف
الآية 77: ﴿قَالُوا﴾ أي قال إخوة يوسف: ﴿إِنْ يَسْرِقْ﴾: يعني إنْ كانَ "بنيامين" قد سرق مكيال المَلك، فلا عَجَبَ في ذلك ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (يَقصدون بذلك يوسف عليه السلام أيامَ صِغَرِه، فقد قيل - واللهُ أعلم - إنه سَرَقَ صنماً لأبي أُمِّه فكسره حتى لا يَعبده)، فإنْ كانَ ذلك قد حدث، فهذه ليست سرقة، بل هو نهيٌ عن شِركٍ باللهِ تعالى، ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾: أي كَتَمَ يوسف في نفسه هذه التهمة وكظم غيظه، و ﴿قَالَ﴾ في نفسه: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾: يعني أنتم أسوأُ مَنزلةً مِمّن اتهمتموه - كذباً - بالسرقة، حيثُ دَبَّرتم لي ما كانَ منكم ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أي بحقيقة ما تَذكرون.
الآية 78: ﴿قَالُوا﴾ - مُستعطِفينَ يوسف لِيُوفوا بعهد أبيهم -: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾: يعني إنّ له والدًا كبيرًا في السن، يُحبه ولا يطيق بُعده ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ في معاملتك لنا ولغيرنا.
الآية 79: ﴿قَالَ﴾ لهم يوسف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾: أي نعوذ باللهِ أن نأخذ أحدًا غير الذي وجدنا المكيال عنده، ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ إنْ فَعَلنا لكم ما تطلبون.
الآية 80: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ﴾: يعني عندما يَئِسوا من إجابة يوسف لِطَلبهم: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾: أي انفرَدوا عن الناس، وأخذوا يَتشاورونَ فيما بينهم، فـ ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السن: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي أخذ عليكم العهد المؤكد بأنكم لَتَرُدُّنَّ إليه أخاكم إلا أن تَهلكوا جميعاً، ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ يعني: ومِن قبل هذا كان تقصيركم في يوسف وغَدْركم به; لذلك ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: أي لن أفارق أرض "مصر" ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في مُفارقتها، ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾: يعني أو يَقضي لي ربي بالخروج منها، وأتمَكَّن مِن أَخْذِ أخي، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أي: واللهُ تعالى هو أعدل مَن حَكَمَ بين الناس.
الآية 81، والآية 82، والآية 83: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا﴾ له: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ﴾ "بنيامين" قد ﴿سَرَقَ﴾ ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ أي: ما شَهِدْنا بذلك إلا بَعد أن تأكدنا، فقد رأينا المكيال في مَتاعه، ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: لم يكن عندنا عِلمٌ مِن الغيب بأنه سيَسرق حينَ عاهدناكَ على رَدِّهِ إليك، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ أي اسأل أهل "مصر" ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي: واسأل أيضاً مَن كان معنا في القافلة التي كنا فيها ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به.
?ولمّا رجعوا إلى بلدهم، وأخبروا أباهم بما حدث: ﴿قَالَ﴾ لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ يعني: بل زَيَّنَت لكم أنفسكم الأمَّارة بالسوء مَكِيدة دَبَّرتموها، كما فعلتم مِن قبل مع يوسف، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فصَبْري صَبْرٌ جميل لا تَسَخُّطَ فيه ولا شكوى معه لأحدٍ من الخَلق، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾: أي عسى اللهُ أن يَرُدَّ إليَّ