الآية 108: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ﴾: أي لا تقم - أيها الرسول - للصلاة في ذلك المسجد ﴿أَبَدًا﴾، إذ إنّه ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ - وهو مسجد "قِباء" - ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ للصلاة، فإنّ مسجد "قِباء" ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بالماء من النجاسات والأقذار، كما يتطهرون من ذنوبهم بالتوبة والاستغفار، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ أي المتطهرين، (وقد أُدغِمَت التاء في الطاء فصارت: (الْمُطَّهِّرِينَ))، (واعلم أنّ هذا المسجد الذي بناه المنافقون قد هَدَمَهُ المسلمون وأحرقوه، بأمْرٍ من النبي صلى الله عليه وسلم).
الآية 109: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَه﴾ أي مَسجده ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ أي على خوفٍ من اللهِ وطلباً لرضاه ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ أي مسجده ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ أي على طرف حفرة قاربتْ على السقوط ﴿فَانْهَارَ بِهِ﴾ ذلك البُنيان الخبيث ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ ليُعَذَبَ فيها؟ لا يستويان أبداً، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ المتجاوزينَ لحدوده.
الآية 110: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ والمعنى: أنّ المنافقين عندما بَنوا ذلك المسجد لغرضٍ فاسد، جعل اللهُ ذلك المسجد سبباً لبقاء النفاق في قلوبهم ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ يعني إلا أن تتقطع قلوبهم، وذلك بقتلهم أو موتهم، أو بندمهم غاية الندم، وخوفهم من ربهم غاية الخوف، حتى َيقبل اللهُ توبتهم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما في صدور هؤلاء المنافقين، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره وقضائه، وفي فتح باب التوبةِ لعباده.
*********************
8. الربع الأخير من سورة التوبة
الآية 111، والآية 112: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ﴾ - في مُقابل ذلك - ﴿الْجَنَّةَ﴾ وما أعَدَّ اللهُ لهم فيها من النعيم، فهُم ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ويُقَدِّمون أرواحهم وأموالهم قرباناً إلى ربهم لإعلاء كلمته، بأنْ يُعبَدَ وحده ولا يُعبَد غيره، ﴿فَيَقْتُلُونَ﴾ الكفار والمشركين ﴿وَيُقْتَلُونَ﴾ أي يَموتون شهداء في سبيل الله.
????? فبهذا وَعَدَهم ربهم بالجنةِ ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾: أي وعداً حقاً، عليه الوفاء به، ثم أخبر تعالى بأنّ هذا الوعد موجودٌ في أشرف كُتُبِهِ المُنَزَّلة، إذ هو مَذكورٌ ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ﴾ التي جاء بها أكْمَل الرسل (أولو العَزم)، وكلها اتفقتْ على هذا الوعد الصادق، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾: يعني ولا أحد أصْدَق - ولا أقدَر -