القيامة، وساعتها سيؤمنون؟! ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾: يعني يوم يأتي هذا العقاب الذي يَؤول إليه أمْرهم: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾: أي يقول الكفار الذين تركوا القرآن، وكفروا به في الحياة الدنيا: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾: أي قد تبيَّن لنا الآن أنَّ رُسُل ربنا قد جاؤوا بالحق ونَصَحوا لنا، ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ عند ربنا، ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ إلى الدنيا مرة أخرى ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: أي أهلَكوا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها، (إذ معنى خُسران النفس: عدم الانتفاع بها في الدنيا، حينَ كانَ في إمكانهم أن يجعلوها تفعل الخير الذي يؤدي بهم إلى الجنة)، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: أي ذهب وغاب عنهم ما كانوا يَزعمونه كَذِباً من شفاعة آلهتهم لهم عند ربهم.
الآية 54: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ﴾ - الذي يجب أن تعبدوه وحده - هو ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: أي عَلا وارتفع على العرش (استواءً يليق بجلاله وعظمته)، ودَبَّرَ الممالك، وأجْرَى عليها أحكامه الكونية، فهو سبحانه ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾: أي يُدخِلُ الليلَ على النهار حتى يُذهِبَ نُوره، ويُدخِل النهار على الليل حتى يُذهِب ظلامه، ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ يعني: وكل واحد منهما يَطلب الآخر طلباً حَثيثاً - أي سريعا - (إذِ الحَثّ: هو الإعجال والسرعة)، فيَطلبه سريعاً حتى يُدركه، فكلما جاء الليل: ذهب النهار، وكلما جاء النهار: ذهب الليل، وهكذا أبداً على الدوام، حتى يَطوي اللّهُ هذا العالم، وينتقل العباد إلى دارٍ غير هذه الدار.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ خلقهنَّ سبحانه، وجعلهنَّ ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾: أي مُذلَّلاتٍ له، يُسَخِرهنَّ سبحانه كما يشاءُ ﴿بِأَمْرِهِ﴾: أي بتدبيره الدالّ على ما له مِن أوصاف الكمال (إذ إنّ عظمة هذه المخلوقات تدلّ على عظمة خالقها وكمال قدرته)، (وما فيها من الانتظام والإتقان والإحكام يدلّ على كمال حِكمته)، (وما فيها من المنافع الضرورية لِخَلقه يدلّ على سِعَة رحمته بخَلقه، وعلى سِعَة عِلمه بمصالحهم، وأنه الإله الحق الذي يجب أن يُعبَد ولا يُعبَد غيره)، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ﴾: أي له سبحانهُ صفة الخَلق التي صدرتْ عنها جميع المخلوقات، فجميع المخلوقات مِلكٌ له سبحانه، ﴿وَالْأَمْرُ﴾: أي وله الأمرُ وحده، يَحكم ما يشاء ويَفعل ما يريد، فلا خالقَ إلا هو، ولا آمرَ ولا ناهِيَ غيره (فالخَلق: يتضمن أحكام الله القدَريَّة، والأمر: يتضمن أحكامه الشرعية)، ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي عَظُمَتْ قدرته، وكَثُرَ خيره وفضله، (فتباركَ سبحانه في نفسه لِعظمة صفاته وكماله، وباركَ في غيره بإنزال الخير الكثير).
الآية 55: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿تَضَرُّعًا﴾: أي تذلُّلاً وخشوعاً ﴿وَخُفْيَةً﴾: أي سرًّا، غيرَ رافعينَ أصواتكم بالدعاء، ولْيَكُن دعاؤكم بحضورِ قلبٍ وبُعْدٍ عن الرياء، فـ ﴿إِنَّهُ﴾ سبحانه ﴿لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ المتجاوزين حدودَ شَرْعِه، (وأعظم التجاوُز: الشِرك بالله، كدعاء غير اللهِ من الأموات والأصنام، ونحو ذلك).