2. الربع الثاني من سورة الأنفال
الآية 22، والآية 23: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ يعني: إنَّ شر ما دَبَّ على الأرض ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ - مَنزِلةً - هم ﴿الصُّمُّ﴾ الذين امتنعتْ آذانُهم عن سَماع الحق، ﴿الْبُكْمُ﴾ الذين خَرُسَتْ ألسنتهم عن النُطق به، وهؤلاء هم الذين ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ عن اللهِ حُجَجه وبراهينه، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ مواعظ القرآن سَماعَ تدبُّرٍ وانتفاع، ولكنه سبحانه عَلِمَ أنه لا خيرَ فيهم، لأنهم توَغَّلوا في الظلم والفساد والكِبر والعِناد، فحُرِموا بذلك هِداية اللهِ تعالى، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ سبحانهُ - على سبيل الفرْض - ﴿لَتَوَلَّوْا﴾: أي لأعرضوا عن الإيمانِ بالقرآن - كِبراً وعِنادًا - مِن بعد فَهْمِهِم لآياته، ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ دائماً عن الحق، فلا يَلتفتون إلاَّ لِما يُناسِبُ أهوائهم.
الآية 24: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ - بالطاعة والانقياد - ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: يعني إذا دعاكم للحق الذي فيه إصلاح حياتكم في الدنيا والآخرة (كالجهاد وغيره)، ثم حَذَّرَ سبحانه مِن عدم الاستجابة للّهِ وللرسول فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (والمقصود أنَّ اللهَ تعالى يَملِكُ قلبَ العبد، فإيّاكم أن ترُدُّوا أمْرَ اللّهِ أوَّلَ ما يأتيكم، حتى لا يُضِلَّ قلوبكم، فيجعلكم تكرهون الطاعة وتحبون المعصية، وترونَ الحقَّ باطلاً والباطلَ حقاً).
????? فلهذا يجب أن يُكثِرَ العبدُ مِن قوْله: (يا مُقَلِّبَ القلوب ثبِّت قلبي على دينك)، و (يا مُصَرِّفَ القلوب صَرِّف قلبي إلى طاعتك)، لأنّ القلوب بين يَدَي اللهِ تعالى، يُقَلِّبُها ويُصَرِّفها حيث يشاء، ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ يومَ القيامة، لِيُجازِي كُلاًّ بما يَستحق (فالذي يَعلمُ أنه سيَرجِعُ إلى ربه، لابد أن يُسرعَ في تلبيةِ أمْرِه، حتى لا يُبتَلَى بفتنةٍ تُهلِكُهُ في دنياهُ وآخِرَتِه).
الآية 25: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾: أي واحذروا - أيها المؤمنون - عذاباً ومِحنةً ﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾: أي لا يُخَصُّ بها أهل المعاصي فقط، بل تُصيبُ الصالحين معهم إذا قدروا على إنكار الظلم ولم يُنكِروه، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، فعقابُهُ تعالى لا يُطاق ولا يُحتمَل.
الآية 26: ﴿وَاذْكُرُوا﴾ أيها المؤمنون نِعَمَ اللهِ عليكم ﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ أي حينَ كنتم ﴿قَلِيلٌ﴾ أي قليلوا العدد - في مكة - ﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾: أي تخافون أن يَخطفكم الكفار بسرعةٍ وسهولة (يعني بدون أن تقاوموهم) وذلك لِضَعفكم وقِلَّتِكم، ﴿فَآَوَاكُمْ﴾: أي فجعل لكم مَأوىً