- الآية 5، والآية 6: ﴿بَلْ﴾ جَحَدَ الكفار بالقرآن، واضطربت أقوالهم فيه بعد أن شعروا بالهزيمة في أن يأتوا بمِثله، فـ ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ يعني منهم مَن قال: إنه أحلام مُختلَطة رآها في المنام، ومنهم مَن قال: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾ أي اختلق محمد القرآن مِن عند نفسه، ومنهم مَن قال: ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ (أي هذا الذي جاء به شِعر)، وإذا أراد أن نُصَدِّقه ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾: أي فليأتنا بمعجزة محسوسة كناقة صالح، وعصا موسى وسائر معجزات الرُسُل مِن قبله.
????? فرَدَّ اللهُ عليهم بقوله: ﴿مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ يعني: لا توجد قرية - قبل كفار مكة - طلب أهلها المعجزات فآمَنوا بها لمَّا تحققت لهم، بل إنهم كَذَّبوا بها فأهلكناهم، ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾؟! يعني أيُؤمِن كفار مكة إذا تحققت المعجزات التي طلبوها؟! (والاستفهام للنفي) يعني: كلا إنهم لن يؤمنوا، (إذاً فلا معنى مِن إعطائها لهم ونحن نعلم أنهم لن يؤمنوا).
الآية 7: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ﴾ - أيها الرسول - ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ أي رُسُلاً من الرجال (لا من الملائكة)، وكنا ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ لِيُبَلِّغوا رسالات ربهم إلى الناس، (وقد كانَ هذا رداً على قولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾؟).
????? وإن كنتم - يا مُشركي قريش - لا تُصَدِّقونَ بذلك ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أي اسألوا أهل الكتب السابقة، ليُخبروكم أنّ الأنبياء كانوا بَشَرًا وليسوا ملائكة ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، (واعلم أنّ الآية عامة في كل مسألة من مسائل الدين - إذا لم يكن عند الإنسان عِلمٌ منها - أن يَسأل مَن يَعلمها مِن العلماء المُتمكنين في العلم).
- الآية 8، والآية 9: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ يعني إننا لم نجعل أولئك الرسل خارجين عن طباع البشر (لا يحتاجون إلى طعامٍ وشراب)، بل جعلناهم أجساداً آدمية تحتاج في بقائها إلى الطعام والشراب، إذاً فلماذا يَعترض هؤلاء المشركون على كَوْن الرسول صلى الله عليه وسلم بشراً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟!
﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ لا يموتون، ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ﴾ أي: ثم أنجَزنا لهم ولأتْباعهم ما وعدناهم به من النصر والنجاة ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ على أنفسهم بالكفر والمعاصي.
????? واعلم أنّ حرف (ثم) المذكور في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ هو ما يُعرَف في اللغة بـ (الترتيب الرَتبي)، فكأنّ المعنى: (وأهَمُّ مِمّا ذُكِر أنّنا صَدَقناهم الوعد فأنجيناهم وأهلكنا الذين كَذَّبوهم).
- الآية 10: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا﴾ وهو هذا القرآن الذي ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي فيه عِزُّكم وشرفكم في الدنيا والآخرة (إنْ تذكرتم به)، إذ هو أعظم من المعجزات التي طلبتموها، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؟! يعني: أفلا تتفكرون فيه بعقولكم، لتؤمنوا به وتعملوا بما فيه؟!