4. الربع الأخير من سورة الأنبياء
- الآية 83، والآية 84: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي اذكر أيها الرسول - في هذا القرآن - خبر أيوب عليه السلام، حينَ ابتليناه بمرضٍ عظيم في جسده، وفَقَدَ ماله وولده، فصبر واحتسب الأجر عند ربه، وناداه - داعياً متضرعاً -: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ أي قد أصابني الضر، ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي أرحم بي مِن أبي وأمي ومِن كل راحم، فاكشف هذا الضر عني، ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءه ونداءه، ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ ورفعنا عنه البلاء، ﴿وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ أي: رزقناه أولاداً بعدد ما فَقَد (وزِدناه مِثلهم)، وكذلك أعطيناه مالاً كثيراً، (فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أنزل عليه جَرَاداً مِن ذهب) (انظر صحيح الجامع حديث رقم: 2863).
????? وقد فَعَلْنا ذلك ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ بأيوب - بسبب صبره- ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ يعني: وليكون قدوة للعابدين إذا أصابهم البلاء، فيَصبروا مِثله، ويَحتسبوا الأجر عند ربهم، ليُجازيهم بأحسن الجزاء في جنات النعيم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
- الآية 85، والآية 86: ﴿وَ﴾ اذكر في القرآن ﴿إِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أي كل هؤلاء الأنبياء كانوا من الصابرين على طاعة الله تعالى، وعن معاصيه، وعلى أقداره، فبذلك استحقوا الثناء الجميل في القرآن الكريم، ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ بأنْ جعلناهم أنبياء، والسبب في ذلك: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: يعني إنهم كانوا مِمَّن صلح باطنهم وظاهرهم، فأطاعوا أمْر ربهم واجتنبوا نَهْيه.
- الآية 87، والآية 88: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي: واذكر - أيها الرسول - قصة صاحب الحوت، وهو يونس عليه السلام، ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ أي حين أرسله الله إلى قومه فدَعاهم فلم يؤمنوا، فتوعَّدهم بعذاب الله فلم يتوبوا، ولم يَصبر عليهم كما أمَرَه الله تعالى، وخَرَجَ مِن بينهم مُغاضِباً (أي غاضبًا على قومه، مُغضِباً لربه)، ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي ظَنّ أن الله لن يُضَيِّق عليه ويؤاخذه بهذه المخالفة، فابتلاه الله بشدة الضِيق والحبس، والتقمه الحوت في البحر ﴿فَنَادَى﴾ ربه ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي في ظلمات الليل والبحر وبطن الحوت: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ أي لا معبودَ بحقٍ إلا أنت ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يعني حاشاكَ أن تظلم، فإنّ هذا البلاء أستحقه بمعصيتي ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
????? واعلم أنّ هذا الذِكر كانَ غرضه الدعاء (وإن لم يُصَرِّح يونس عليه السلام بالطلب)، فقد اعترف بذنبه، وأثنى على ربه، وتوسَّل إليه بتوحيده، فكأنه قال بعد هذا الذِكر: (فنَجِّني يارب مِمّا أنا فيه)، ولذلك قال تعالى بعدها: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي استجبنا دعاءه ونداءه، ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾: أي خلَّصناه مِن غَمّ حَبْسه في الظلمات، مع غَمّ نفسه بسبب ذنبه، ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ العاملينَ بشرعنا (إذا تضرعوا إلينا بهذا الدعاء عند شدتهم).