مصارف الزكاة لمن أراد أن يخرجها في مصرفها بنفسه
ثم قال تعالى: مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [البقرة:215]، ذكر هنا شيئاً من أصناف من ينفق عليهم، وما ذكر في سبيل الله، ولا ذكر الغارمين والمؤلفة قلوبهم، وذلك أن هذا الأمر إنما يتوجه إلى ولي أمر المسلمين، وهذا من جهة الأصل، من جهة مصارف الزكاة، أن ولي الأمر من جهة صرفها له أن يدفعها في سبيل الله، ويدفعها للمؤلفة قلوبهم، وأما لما جاء السؤال منهم احتاجوا إلى الإنفاق إلى من حولهم؛ لأن الأمر في غير ذلك غالباً لا يعنيهم، وإنما ينفق إلى رسول الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينفقه في سبيل الله. إذاً: فسؤالهم هنا فيما يدفعونه هم للناس مباشرة يداً بيد، لا أن يدفعوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان السؤال على هذا لأعطوه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يتكفل بمصارفه، فهم أرادوا أن يعرفوا مصارف الزكاة، ومصارف النفقة من تلقاء أنفسهم، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وجوه الإنفاق، وهي أن ينفقوا على الأقربين.
فضل الوالدين على الأبناء
وهنا خص الوالدين بالذكر، ثم ذكر الأقربين مع أن الوالدين هم أقرب الأقربين، وذلك لفضلهم على الإنسان، ومنزلتهم وتقدمهم على غيرهم، وأنهم أولى ما ينفق الإنسان عليه، وبهذه الآية أخذ بعض العلماء أن الإنفاق على الوالدين أعظم من الإنفاق على الأبناء والزوجة وأوجب، وذلك أن حق الوالدين أعظم من حق الأبناء على الأب، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر ببرهم أعظم وأكثر من أمر الولي ببر أبنائه بعد بلوغهم، فالنص في ذلك على حد سواء أن الله عز وجل حينما أمر ولي الأمر بأن ينفق على الذرية جاءت النصوص قبل بلوغهم، وأما في حال كبرهم، فإن النصوص في ذلك متوجهة إلى الأبناء ببر آبائهم.