فإذاً: هذه الآية إنما كانت بجهاد الدفع، لا بجهاد الطلب، وتقدم معنى التفريق بين الحالين. ولما قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكة، وقع بينه وبين المشركين معاهدة، وذلك لما نزل النبي عليه الصلاة والسلام بالحديبية، والحديبية على شطرين: شطر في الحرم، وشطر في الحل، والمشركون يعلمون الحدود فوقفوا في الحل حتى لا يدخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرم، ووقع الصلح بين المسلمين وبين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية، وهذا الصلح جاء بعده إقدام النبي عليه الصلاة والسلام من العام القادم أن يأتي إلى الحج، وأمره الله عز وجل أيضاً بقتالهم لو تعرضوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما لم يتعرضوا جاءت هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208]، يعني: يجب عليكم أن توفوا بالعهد ولا تنقضوه. إذاً: السلم المراد به هنا على قول من قال: إن المراد بالسلم هي المسالمة وترك الحرب: أن المراد بذلك ما كان متعلقاً بأمر صلح الحديبية، وهذا ذهب إليه جماعة من المفسرين وهم قلة، والأشهر في أقوال المفسرين من السلف أن المراد بالسلم هنا هو الإسلام، والاستسلام لله سبحانه وتعالى، والانقياد له جل وعلا على اختلاف عنده في كلام المفسرين، فمنهم من قال: إن المراد بالسلم هنا هو الإسلام، ومنهم من قال: هي الطاعة بجميع أنواعها، وهذه من المعاني المترادفة. وعلى هذا المعنى دلالة السياق هو الأقرب، ولكن الأول أشهر وأرجح في كلام المفسرين من السلف، وهذه الآية تحتمل المعنيين؛ لأن أسلوب القرآن أطلق على السلم وهو المسالمة وترك الحرب، وكذلك أيضاً على السلم المراد به الإسلام فأطلقها على المعنيين في كلامه سبحانه وتعالى في هذه الآية، وكذلك أيضاً في آية الأنفال، وفي آية سورة محمد، وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا [الأنفال:61]، والمراد بالسلم هنا المسالمة.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٥٥٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ٥٥٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي