كذلك فإن الخلاف في أقل الجمع معلوم، وهي على كلا الوجهين سائغة. ومن وجوه الترجيح: أن بعض إطلاقات المفسرين في قولهم: إن أشهر الحج هي شوال وذو القعدة وذو الحجة تاماً ولا يفصلون، نقول: إن في إطلاقهم ذلك لأنه معلوم مستقر في الأذهان أن ذي الحجة ليس بتام، وإنما هو عشر منه، فلما كان مستقراً أطلقوا هذا، وهذا الإطلاق جاء عن عطاء بن أبي رباح و طاوس بن كيسان، و عامر بن شراحيل الشعبي و مجاهد بن جبر وغيره. ويؤيد هذا ويؤكده أن مجاهد بن جبر وهو من أئمة التفسير جاء عنه مرة أنه قال: عشر ذي الحجة، ومرة قال: ذي الحجة يعني: تاماً، فجعلها الأشهر الثلاثة مما يدل على أنه يطلق تارة ويقيد أخرى، وأن بعض الإطلاقات في كلام بعض المفسرين فإنهم لا يريدون بذلك الشهر تاماً. ثم أيضاً: إن الحج بعد فوات عرفة لا يمكن أن يستدرك بخلاف غيره، فالإنسان إذا فاته اليوم التاسع لا يمكن أن يكون له حج، أما بالنسبة لأعمال النحر فالإنسان يستطيع أن يؤخر الذبح إلى اليوم الحادي عشر أو إلى الثاني عشر أو إلى الثالث عشر، أما بالنسبة للوقوف بعرفة فإنه ينتهي بذلك العمل، فلا يجوز التقديم، ولا يجوز في ذلك التأخير، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة)، يعني: أن الإنسان إذا فاته ذلك اليوم لم يكن مؤدياً للنسك، ولا قاضياً له، ولهذا العلماء يقولون: إن أشهر الحج تنتهي بعشر ذي الحجة، ولا يكون ذي الحجة تاماً. كذلك فإن من يقول بأن ذي الحجة تاماً، فإنه يلزمه في ذلك أن يجعل من يأتي بالعمرة بعد الوقوف بعرفة متمتعاً، ولو كان بسفرة واحدة، ولا يقول به أحد والمترجح عند عامة العلماء ولا يعلم في ذلك خلافاً عند السلف، أن من جاء بالعمرة بعد الحج ولو كان بسفرة واحدة فإنه لا يجب عليه هدي التمتع، ولا يسمى متمتعاً، ولا يسمى قارناً، وإنما جاء بالعمرة بعد الحج، وهي منفصلة عنه، والمتمتع هو الذي يأتي بالعمرة قبل الحج.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٤٧٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ٤٧٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي