فكأن النبي عليه الصلاة والسلام حينما ذكر مكارم الأخلاق، قال: (يحب مكارم الأخلاق) موضع حمد ولو كان كافراً, لكن لو كان ذلك صلاة ليصلي للصنم أو ينذر له أو يذبح له من دون الله سبحانه وتعالى, هل حمد النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، فقال: يحب السجود والركوع لا؛ لأن هذا يظهر فيه محض التعبد, أما بالنسبة لمكارم الأخلاق, إغاثة الملهوف, إكرام الضيف, الإحسان إليه، وغير ذلك من الأخلاق، فهذه إن أحسن فيها وأخلص أجر, وإن لم يحسن في نيته وأراد بذلك الناس فإنه على ما تقدم يحرم الأجر, ولا يلحقه في ذلك وزر. ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى جعل أعمال الكافرين في الدنيا هباء منثوراً في الآخرة, وأما على ما تقدم ما أخلص فيه لله عز وجل في الدنيا، فإن الله عز وجل يعجل له في الدنيا نعيمه بالرزق وغير ذلك. والله عز وجل يرزق عباده مؤمنهم وكافرهم؛ لأن هذا مقتضى الربوبية, وأصل الرزق من مقتضيات الربوبية لأن الله عز وجل يرزق البهائم ويرزق الكافر ويرزق المؤمن؛ لأنه هو الذي خلقهم وأوجدهم وتكفل برزقهم. أما بالنسبة لنعيم الآخرة, فإنه من مقتضيات الألوهية فلا ينعم إلا المسلم والمؤمن، ولا ينعم الكافر. وسبب الجهل في هذا عند كثير من العامة دعاهم إلى الإلحاد, فترى بعض الناس يقول: إن الله عز وجل يرزق الكافر في الدنيا ويحرم المؤمن. نقول: إن الله عز وجل تكفل برزق خلقه, وهذا من مقتضى ربوبيته سبحانه وتعالى, فيرزق الطير ويرزق الحشرة, ويرزق بهائم الأنعام, ويرزق الأسماك والبهائم وخشاش الأرض في الأرض، يرزقها الله عز وجل وقد تكفل بها؛ لأنه هو الذي خلقها, ولهذا الله عز وجل سمى نفسه بخير الرازقين, لأنه يرزق الكافر ولو كفر, هذا من جهة الرزق، مع أن لله عز وجل رزقاً خاصاً لأهل الإيمان, ولهذا نقول: إن الرزق والمنع من الله سبحانه وتعالى على نوعين: رزق ومنع عام, وهذا من مقتضيات الربوبية. ورزق ومنع خاص, وهذا من مقتضيات الألوهية.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ١٢٧٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ١٢٧٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي