تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لهذا تجد الإنسان حينما يريد أن يصنع شيئاً لا بد أن يصنعه على مثال قد رآه، فالطائرة صنعوها على مثال مما يروه من الحشرات، والهليكوبتر صنعوها على طريقة البعوض ونحو ذلك، فالإنسان لا يمكن أن يوجد شيئاً معدوماً من العلوم، وإذا ادعى إجاد شيء من ذلك فهذا نظير ادعائه أنه يوجد شيئاً من أنواع المادة من عدم، وهذا يدل على عدم علم الإنسان بغير ما وضعه الله عز وجل له، فهو انعكاس لتلك المعلومات، ومن ادعى إيجاد شيء غير ذلك فهذا متوهم ومدعٍ خالقاً من دون الله سبحانه وتعالى، وإما هذه الإبداعات التي يفعلها البشر فهي تأليف دقيق، كلما أكثر الإنسان من جمع أجزاء تلك المؤلفات ظن أنه أبدع، فحينما تنثر أشكالاً في الإنسان، ثم يقوم بوضع لوح منها هو أبدع بوضعها مواضعها حتى أصبحت مكتملة على هذا الشكل، فهو يبدع بتأليف موجودات فيركبها على نحو لم تره أنت ولم يره هو. ولهذا نقول: مكتسبات الإنسان من جهة علمه وإدراكه إما أن يكون معلوماً باليقظة، وإما بالمنام، فقد يقول الإنسان: كيف يرسم الناس أشكال الأشباح؟ فهنا نقول: إن هذه رأوها في المنام، ولا يمكن أن يوجد الإنسان شيئاً إلا بشبه رآه باليقظة، أو رآه بالمنام، فيرى شبحاً، أو يرى كذا، ثم يرسم له شكلاً، فربما يرسم رجلاً على هيئة شجرة، فهو وضع الرجل مع الشجرة، ووضع للغصن أعيناً وهكذا؛ ولهذا تجد مثلاً من يجعل للتفاحة أعيناً، ويجعلها تتكلم، ويضع لها فماً، فهو أخذ الفم من هنا وركبه في هذه، فأصبح هذا الشكل، أما أن يوجد شيئاً من عدم فلا يمكن أن يتحقق هذا. ومن جهة حد العلم لا بد له من حد؛ لأن العلم ينفع، والجهل يضر، وثمة معلومات هي داخلة في أبواب المكتسب وتضر الإنسان لكونها جهل، كذلك أيضاً العلم له حد فإذا تجاوزه الإنسان أضر به كالطعام، الإنسان جعل الله عز وجل له لذة في الطعام، فإذا زاد عن ذلك قتله، كذلك العلم.

سلسلة أصول الفقه · الصفحة ٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة أصول الفقهص ٦٨