ثانياً: إن النسخ إباحة ترك الفعل بعد إيجابه، أو إباحة فعله بعد حظره، فلا يتوقف ذلك على علم من أبيح له، كما لو قال لزوجته: (إن خرجت بغير إذني فأنت طالق ثم أذن لها من حيث لا تعلم فإنه يثبت حكم الإباحة في حق الزوجة ولا يقع الطلاق بخروجها. (1)
ثالثاً: إن نسخ الحكم إباحة ترك المنسوخ الذي هو حق الشارع فوجب أن يثبت قبل علم المباح له كما في قول القائل: أبحتُ ثمرة بستاني لكل من دخله فإنه يباح لكل داخل وإن لم يعلم بذلك.
وقد أجيب عن هذا والذي قبله: بأن ما ذكر من صور الاستشهاد ممنوع لم يقل به أحد (2).
القول الثاني: لا يثبت النسخ إذا لم يبلغ به الأمة وبه قال الحنفية (3)، وابن الحاجب المالكي (4)، ونسبه الباقلاني للجمهور (5). وبه قال بعض الشافعية (6)، واختاره الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه (7).
واستدلوا على ذلك بالنقل والعقل:
أما النقل: فقوله تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (8) وقوله تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (9) وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً
(1) الإحكام للآمدي: 3/ 153.
(2) المصدر نفسه.
(3) الوصول إلى قواعد الأصول: ص269؛ فواتح الرحموت: 2/ 89؛ المسودة: ص207؛ شرح الكوكب المنير: 3/ 580.
(4) مختصر المنتهى ومعه بيان المختصر: 2/ 675؛ المنتهى لابن الحاجب: ص 120.
(5) ينظر البحر المحيط: 4/ 83.
(6) المصدر نفسه واختاره الآمدي: 3/ 168؛ والأسنوي في التمهيد: ص429؛ المستصفى:1/ 120.
(7) نقلها عن الآمدي: 3/ 168؛ وينظر المسودة: ص207؛ وينظر ما قاله الإمام أحمد في مذكرة أصول الفقه: ص146.
(8) الإسراء 15.
(9) النساء 165.